أسقطت الحرب الأوكرانية التي تدخل عامها الخامس في 24 شباط فبراير الجاري، يقينا أوروبيا، ساد لعقود، وهو أنها في منأى عن الحروب الكبرى بعد كوارث الحرب العالمية الثانية.
لكن الحرب التي شنت في 2022 لم تسقط هذا اليقين فحسب، بل دفعت أوروبا إلى مواجهة أخطر صراع على حدودها الشرقية في حرب استنزاف طويلة، أعادت تعريف مفاهيم الأمن والطاقة والسيادة.. دون أفق مؤكد بأنها ستنتهي قريبا.
فواتير ضخمة
ولتبيان حجم الضرر الذي طال أوروبا، فإن الأرقام تظهر "الفواتير المليارية" التي تكبدتها الخزينة الأوروبية جراء هذه الحرب، سواء بسبب ارتفاع أسعار الطاقة أو تكاليف استقبال اللاجئين الأوكرانيين فضلا عن الدعم السخي لكييف.
الضربة الموجعة الأولى كانت من نصيب قطاع الطاقة، فقبل الحرب، كانت روسيا توفّر نحو 40% من واردات الغاز الطبيعي للاتحاد الأوروبي، ونحو 27% من واردات النفط، وأكثر من 45% من الفحم.
وكانت دول صناعية كبرى مثل ألمانيا تعتمد بشكل كبير على موسكو، إذ تجاوزت نسبة الغاز الروسي 55% من استهلاكها عام 2021، أي السنة التي سبقت الحرب.
ومع إعلان الحرب وتوقف الإمدادات عبر خطوط مثل نورد ستريم في 2022، قفزت أسعار الغاز في أوروبا إلى أكثر من 300 يورو لكل ميغاواط/ساعة في ذروة الأزمة، مقارنة بأقل من 30 يورو قبل الحرب.
ويلاحظ خبراء أن هذه القفزة أدت إلى تضخم قياسي بلغ في منطقة اليورو 10.6% في أكتوبر 2022، وهو أعلى مستوى منذ إنشاء العملة الموحدة، مطلع الألفية.
واضطرت القارة إلى تحمل تكلفة احتواء الصدمة، إذ خصصت الحكومات الأوروبية، بحسب تقديرات مؤسسات بحثية أوروبية، أكثر من 700 مليار يورو في صورة دعم للأسر والشركات بين 2022 و2024 لمواجهة ارتفاع أسعار الطاقة، فيما ارتفع الدين العام في عدة دول، وتراجع النمو.
وكانت الصناعة الأوروبية الضحية الرئيسة لمثل هذا التطور، فشركات كيميائيات ومعادن في ألمانيا وفرنسا وغيرهما خفّضت إنتاجها أو نقلت جزءا منه إلى الخارج بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة، وخصوصا إلى الولايات المتحدة مستفيدة من أسعار الطاقة الأرخص، وحوافز أخرى.
ويحاجج الخبراء بأن لهذه التداعيات السلبية، جانبا إيجابيا كذلك، فقد نجحت أوروبا في خفض اعتمادها على الغاز الروسي إلى أقل من 10% من وارداتها في 2024، عبر زيادة استيراد الغاز المسال من الولايات المتحدة وقطر والنرويج، ما يعني أن صناعتها لم تعد "رهينة" للطاقة الروسية، وهو عامل كان يمكن لموسكو أن يجعله مساحة للابتزاز السياسي، وفقا لخبراء..
كما دفعت أزمة الطاقة دول القارة إلى تسريع الاستثمار في الطاقة المتجددة، فقد ارتفعت حصة الطاقات المتجددة في توليد الكهرباء في الاتحاد الأوروبي إلى أكثر من 44% عام 2024، مقارنة بنحو 37% قبل الحرب، رغم الكلفة المادية الباهظة لمثل هذا التحول.
"العسكرة"
بعد أن نسفت الحرب الأوكرانية "وهم السلام" الأوروبي، دخلت القارة مرحلة عسكرة غير مسبوقة، باتت تهدد ما كانت أوروبا تتباهى به وهو "دولة الرفاه".
ووسط سباق التسلح المحموم وفي ظل هواجس أمنية متصاعدة، أعلنت ألمانيا عن صندوق خاص بقيمة 100 مليار يورو لتحديث جيشها، ورفعت بولندا إنفاقها الدفاعي إلى ما يقارب 4% من ناتجها المحلي، وهو من أعلى المعدلات في حلف الناتو، فيما انضمت كل من السويد وفنلندا، المعروفتين بسياسة الحياد، إلى الحلف.
ووفقا للتقديرات، فقد تجاوز مجمل الإنفاق الدفاعي الأوروبي ضمن الناتو 380 مليار دولار في 2024، بزيادة كبيرة عن مستويات ما قبل الحرب.
ويرى خبراء أن هذا التحول نحو العسكرة وتحديث وتطوير الجيوش يعني تخصيص موارد ضخمة كانت تستثمر في الأساس من أجل النواحي الخدمية والتنموية والصناعية، وبالتالي فإن الحرب فرضت أعباء قلصت الرفاهية الأوروبية.
وتفاقمت الضغوطات على المستوى الاجتماعي مع استقبال دول الاتحاد الأوروبي أكثر من 4 ملايين لاجئ أوكراني وهو ما شكل عبئا على حقل الإسكان والخدمات العامة وعلى القطاع الإداري والتعليمي والصحي في دول مثل بولندا وألمانيا والتشيك.
اليمين المتطرف
وشكلت هذه الضغوطات "فرصة ذهبية" لليمين الأوروبي المتطرف، فقد رفع السخط الاجتماعي رصيد هذا التيار في عدد من الدول الأوروبية، ففي ألمانيا استفاد "حزب البديل من أجل ألمانيا" من حالة القلق المرتبطة بأسعار الطاقة والهجرة، وتبنى خطابا يربط بين العقوبات على موسكو وبين تدهور القدرة الشرائية للمواطنين.
وفي فرنسا عزز "التجمع الوطني" حضوره عبر خطاب ينتقد "كلفة الحرب على الأسر الفرنسية"، أما في إيطاليا والمجر والنمسا، فقد ظهرت مواقف سياسية تدعو صراحة إلى إعادة تقييم نظام العقوبات على موسكو وإعطاء الأولوية للمصالح الوطنية، وإعادة تقييم لمسألة الدعم لكييف.
وبهذا المعنى فإن تداعيات الحرب الأوكرانية انتقلت إلى قلب المشهد السياسي الأوروبي، إذ وجدت الحكومات الأوروبية نفسها حيال معادلة صعبة تتمثل في مواصلة دعم كييف وبين مراعاة الاستياء في الداخل والذي يغذيه اليمين الذي حقق بفعل خطابه، الرافض لدعم كييف، نتائج غير مسبوقة في الانتخابات التي جرت خلال سنوات الحرب سواء في ألمانيا أو إيطاليا أو فرنسا.
وتشير تقارير إعلامية أوروبية إلى أن السنوات الأربع للحرب خلقت انقساما واضحا لدى الرأي العام حول الاستمرار في الدعم العسكري مقابل الدفع نحو تسوية تفاوضية، ما يعكس ضغوطا سياسية متزايدة على الحكومات.
هشاشة
ومن منظور أبعد، فإن الحرب المتواصلة منذ 4 سنوات كشفت هشاشة منظومة الأمن الأوروبي التي بُنيت بعد الحرب الباردة.
وعلى الرغم من الخطاب الأوروبي المتكرر حول "السيادة والقرار المستقل"، إلا أن الردع الأساسي في مواجهة روسيا ظل مرتبطا بحلف الناتو الذي تقوده، عمليا، واشنطن.
وفي ظل إدارة ترامب، لم تعد الحماية الأمريكية لأوروبا من المسلمات، فالتزام الولايات المتحدة بدعم القارة أصبح مرتبطا بتقلبات السياسة الأمريكية التي يرسمها "رجل الصفقات" المتمسك بشعار "أمريكا أولا"، وهو ما جعل العواصم الأوروبية تواجه ضغطا لإعادة بناء قدراتها الدفاعية الذاتية، الأمر الذي يستلزم زمنا طويلا واستثمارات ضخمة.
علاوة على ذلك، فإن الملف الأوكراني يعد من أبرز الملفات التي أفرزت تباينات حادة على ضفتي الأطلسي، وهز أركان هذا الحلف الوطيد المتواصل منذ عقود.
وتتزامن الذكرى الرابعة للحرب مع جهود دبلوماسية تظهر أن طريق السلام ما زال طويلا، ففي جنيف استمرت جولة المحادثات الثلاثية برعاية أمريكية بين موسكو وكييف، ووُصف الحوار بأنه "صعب" دون تحقيق اختراق ملموس.
ومن المرجح أن يسير الاتحاد الأوروبي خلال السنة الخامسة على مسارين، أي الاستمرار في دعم الخيار الدبلوماسي، وفي ذات الوقت تعزيز قدراته الدفاعية والأمنية بما يتماشى مع حقيقة أن نهاية الحرب ليست وشيكة.