logo
العالم

الجيش الأكثر خبرة.. كيف أصبحت أوروبا "تلميذاً" في مدرسة الحرب الأوكرانية؟

جنود من الجيش الأوكراني على إحدى جبهات القتال مع روسياالمصدر: (أ ف ب)

بعد سنوات من حرب دموية غيّرت وجه القتال الحديث، لم تعد أوكرانيا تلك الدولة التي تحتاج إلى تدريب أوروبي، إذ قلبت كييف المعادلة. فمع دخول القتال عامه الرابع، أصبحت عواصم القارة العجوز تتطلع بإلحاح إلى تعلّم دروس الحرب من جيش اكتوى بنار التجربة الميدانية.

ومن الطائرات المسيّرة التي تحصد 80% من الخسائر، إلى الحرب الإلكترونية والروبوتات الأرضية، تمتلك القوات الأوكرانية الآن خبرة لا تضاهى في صراع يُعيد تعريف فن القتال في القرن الحادي والعشرين.

لوحة "الصيد الإلكترونية"

والمؤشر الأوضح على هذا التحول هو "لوحة القتل الإلكترونية" التي أطلقتها كييف الصيف الماضي، وفق ما ذكرت مجلة "لكسبريس" الفرنسية.

على موقع إلكتروني، تُحدَّث بشكل شبه فوري بيانات الأهداف الروسية التي دمّرها طيارو الطائرات المسيّرة الأوكرانية، وهي 28 فئة من الأهداف (جنود، دبابات، مستودعات ذخيرة، ورادارات)، مع عدد "الإقصاءات" لكل وحدة.

وفي عام 2025 وحده، سجلت كييف نحو 820 ألف ضربة مسيّرة ناجحة، منها 240 ألفاً استهدفت جنوداً.

يقول النائب يهور تشيرنييف، نائب رئيس لجنة الدفاع في البرلمان: "إنه نوع جديد كلياً من الحرب، حيث أصبحت ملايين الطائرات المسيّرة القوة القتالية الرئيسية للجيشين"، مضيفاً: "كل خط الجبهة يطنّ كخلية نحل".

وهذه الأجهزة مسؤولة اليوم عن نحو 80% من الخسائر البشرية والمادية. وفي العواصم الأوروبية، التي تراقب بقلق متزايد التهديدات الروسية على حدودها، تحظى الخبرة الفريدة التي اكتسبتها كييف في هذا المجال باهتمام بالغ.

قوة بلا طيار

يقول يوهان ميشيل، مسؤول القوة الجوية في معهد دراسات الاستراتيجية والدفاع: "لا نزال بحاجة إلى أن نتعلم كل شيء تقريباً من الأوكرانيين فيما يخص طائرات FPV المسيّرة (الرؤية من منظور الشخص الأول).. نحن في مرحلة تجريب أنظمة يستخدمونها يومياً في القتال".

ومن جبهة دونباس إلى عملية "شبكة العنكبوت" المذهلة في يونيو الماضي ضد قاذفات استراتيجية في عمق روسيا، أثبتت أوكرانيا قدراتها.

وكانت كييف أول دولة عالمياً تنشئ عام 2024 "قوة أنظمة بلا طيار"، فرعاً جديداً في الجيش مخصصاً للمسيّرات، فيما فعلت روسيا بالمثل في العام التالي. ويؤكد النائب تشيرنييف أن "الجيوش الغربية لا تملك شيئاً مماثلاً، لكنها يجب أن تسارع للاستفادة من التجربة الأوكرانية".

ورغم أن الجيوش الأوروبية بدأت تدريب وحدات على استخدام هذه الطائرات للضرب أو الاستطلاع، فإن كييف وموسكو تحتفظان بتقدم واضح.

ويقول ميخايلو غونشار، رئيس مركز الدراسات العالمية للاستراتيجية الحادية والعشرين: "التطبيقات متنوعة للغاية. وتتجاوز دورها الهجومي لتشمل اللوجستيات، عبر إيصال معدات وذخائر إلى مواقع حرجة".

فن الحماية

وتعلّمت كييف كذلك صدّ المسيّرات المعادية، ففي الصيف الماضي، كشفت منصة Brave1 الأوكرانية عن ذخيرة جديدة لتحسين فعالية البنادق الهجومية ضد الطائرات الصغيرة، بمقذوف يحوي شظايا فرعية لزيادة فرص الإصابة.

وتلخص مصادر عسكرية: "الأوكرانيون أصبحوا أساتذة في فن الحماية. لا يوجد جيش غربي يتقن ذلك مثلهم". حتى بوسائل بدائية، مثل تعميم شبكات صيد على كيلومترات في مدن ومحاور قرب الجبهة، وأقفاص حديدية على الدبابات لتعزيز مقاومتها.

ويؤكد أوليفس نيكرز، رئيس مؤسسة الأمن البلطيقي ومستشار الحكومة اللاتفية: "الجيش الأوكراني اليوم هو الأكثر خبرة والأفضل تحضيراً لصراع من هذا النوع. الدروس لا تُحصى للقوات الأوروبية".

الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية

طوّرت أوكرانيا خبرة ثمينة في الدفاع الجوي، خاصة ضد المسيّرات الانتحارية الروسية بعيدة المدى مثل الإيرانية "شاهد". وتوضح مصادر عسكرية أنه "لا أحد ينجح في إسقاطها بكلفة اقتصادية منخفضة مثلهم. فبينما تمتلك الجيوش الغربية صواريخ تكلف عشرة أضعاف المسيّرات المعادية، ينجح الأوكرانيون في تدميرها بكلفة متواضعة نسبياً".

وتشمل الطرق فرقاً متحركة بمركبات مسلحة برشاشات للتحييد على ارتفاع منخفض، أو مروحيات لإسقاطها جواً.

أما الحرب الإلكترونية، التي أُهملت طويلاً في الغرب، فقد أصبحت حاسمة. وتؤكد مصادر عسكرية: "جيشهم أصبح خبيراً. فالجندي الروسي الذي يخطئ بالاتصال بشبكة اجتماعية قرب الجبهة يُرصد فوراً ويُستهدف". وقد تعممت أنظمة التشويش لشلّ الصلة بين المسيّرة ومشغّلها، وتُحيّد غالبية الأجهزة المُرسلة.

الروبوتات الأرضية

وسبقت أوكرانيا أيضاً في مجال الروبوتات الأرضية، وهي منصات على عجلات يقودها مشغّل عن بُعد. وبعد استخدامها في اللوجستيات وإخلاء الجرحى، أصبح بعضها مسلحاً برشاشات أو قاذفات.

وفي يوليو الماضي، استسلمت وحدة روسية بعد هجوم بروبوتات ومسيّرات فقط، في سابقة تاريخية تكررت في يناير، حيث استسلم ثلاثة جنود روس لجهاز روبوتي. ولم ينتهِ الأوكرانيون بعد من إدهاش أوروبا.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC