logo
العالم

أوروبا تتحرك مبكراً.. استراتيجية استباقية لمنع الفراغ في القطب الشمالي

جزيرة غرينلاندالمصدر: (أ ف ب)

بات القطب الشمالي يتصدر أجندة الأمن الأوروبي والأطلسي بعد عقود من الإهمال النسبي، وذلك في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة.

ومع تراجع الجليد وتصاعد حدة التنافس بين القوى الكبرى، تجد أوروبا نفسها أمام استحقاق استراتيجي لا يمكن تأجيله، في منطقة باتت تُوصف بأنها "الخط الأمامي في صراع القوى العالمي".

الناتو يُعلن حضوره رسمياً

في الحادي عشر من فبراير 2026، أطلق حلف شمال الأطلسي رسمياً مهمة "آركتيك سنتري"، في خطوة وصفها الأمين العام مارك روته بأنها "نتيجة مباشرة" للمحادثات مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول الدفاع عن جزيرة غرينلاند.

وأكد الجنرال أليكسوس غرينكيفيتش، القائد الأعلى للحلف في أوروبا، أن المهمة تعكس عزم الحلف على "صون أمن أعضائه والحفاظ على الاستقرار في منطقة من أكثر مناطق العالم أهمية استراتيجية وتحدياً بيئياً".

ستُقاد العملية من قيادة القوات المشتركة في نورفولك بولاية فيرجينيا الأمريكية، وتشمل نشاطاً "متعدد المجالات" يمتد من الفضاء الجوي إلى أعماق البحار.

وفي مارس المقبل، وخلال مناورات "كولد ريسبونس" في النرويج، سيجري نشر نحو 25,000 عنصر من دول متعددة، إلى جانب طائرات إف-35 ومسيّرات بحرية متطورة، في أكبر تمرين عسكري أطلسي في المنطقة منذ سنوات.

أوروبا تواجه حقيقة مرّة

يكشف تقرير لقناة يورونيوز أن معظم الحلفاء الأوروبيين يفتقرون إلى العقائد العسكرية والقدرات التقنية اللازمة لمواجهة تحديات القطب الشمالي. فبينما تنشر روسيا ما بين 30 و40 قاعدة متخصصة ومطارات محسّنة على أراضيها القطبية، تكاد الانتشارات الأوروبية الحديثة تكون معدومة في المقابل.

وفي هذا الإطار، تقول الباحثة فيرينيا كودريان من شركة Euroatlas، المتخصصة في تكنولوجيا الدفاع والأمن: "لا يمكن ببساطة نقل أي قدرة عسكرية من مسرح آخر وتشغيلها في القطب الشمالي"، مستشهدةً بالتحديات التقنية الهائلة التي يفرضها البرد الشديد والجليد والبُعد الجغرافي على كل شيء من الطائرات المسيّرة إلى أجهزة الاتصال والملاحة.

من جهته، يرى الباحث أنتوني هيرون من معهد آركتيك إنستيتيوت أن "مستقبل الأمن في القطب الشمالي سيُحسم تحت الماء لا في الهواء ولا فوق الجليد"، في إشارة إلى الأهمية القصوى للكابلات والبنية التحتية تحت البحرية التي تنقل تريليونات الدولارات من المعاملات المالية يومياً، والتي باتت هدفاً محتملاً للتخريب الروسي.

غرينلاند وسفالبارد.. ساحتا المواجهة المقبلة

ويرى المحلل الجيوسياسي كلاوس دودز أن غرينلاند "نقطة الصفر لنظام عالمي جديد تتنافس فيه القوى الكبرى على مناطق النفوذ". أما جزر سفالبارد النرويجية، التي يتقاطع فيها وجود روسي قانوني راسخ منذ قرن مع مصالح صينية متنامية وطموحات أمريكية محتملة، فتبدو الساحة التالية للتوتر.

ويُسيطر هذا الأرخبيل على الجزء الشمالي من "فجوة الدب" (Bear Gap)، المعبر الحيوي الذي تستخدمه الغواصات النووية الروسية للوصول إلى المياه العميقة في الأطلسي، مما يجعله ذا أهمية بالغة لكلا الطرفين.

وفي هذا السياق، أطلق حلف شمال الأطلسي دورية بحرية موسّعة في بحر النرويج وعلى طول "فجوة غيوك" (GIUK Gap)، وهي الممرات المائية الواقعة بين غرينلاند وآيسلندا والمملكة المتحدة، والتي تُعدّ الخط الدفاعي الأول أمام أي تحرك روسي بحري نحو الأطلسي.

الرهان الاقتصادي يُعجّل بالاستجابة

لا يقتصر الرهان على الأمن العسكري؛ إذ يشير موقع موديرن ديبلوماسي إلى أن القطب الشمالي يحتضن أكثر من 13% من الاحتياطيات النفطية العالمية غير المكتشفة و30% من احتياطيات الغاز الطبيعي.

كما أن مسارات الشحن الجديدة التي يفتحها ذوبان الجليد باتت قادرة على تقليص أوقات الرحلات البحرية بين آسيا وأوروبا إلى النصف مقارنةً بـقناة السويس، فيما تضخ الصين استثمارات ضخمة في مشاريع الطاقة الروسية القطبية ضمن ما تسميه "طريق الحرير القطبي".

أخبار ذات علاقة

رئيس جهاز الاستخبارات في النرويج الأدميرال نيلز أندرياس ستينسونس

النرويج: روسيا تتصرف بـ"مسؤولية ومهنية" في القطب الشمالي

ويبقى المشهد في مجمله أمام مفترق طرق حاسم، فأوروبا تُدرك حجم التحدي وتتحرك، لكن الساعة تدق بسرعة أكبر مما تسمح به ميزانياتها العسكرية المتأخرة. وتؤكد المستشارة باربارا كونز من معهد سيبري للأبحاث أن "حقبة القطب الشمالي الهادئ قد ولّت إلى غير رجعة".

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC