أكد خبراء في العلاقات الدولية أن التعاون الصيني والروسي مع هافانا يجعل الولايات المتحدة تفكر ماديًا قبل أي تدخل عسكري في كوبا، التي تمتلك مقاومة شعبية منظمة وقادرة على استخدام الأسلحة الروسية والصينية، وهو ما تعتبره إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عقبة وردعًا.
وأوضحوا في تصريحات لـ"إرم نيوز" أن التعاون الواسع على عدة مستويات، لا سيما العسكرية والاقتصادية، بين هافانا وموسكو وبكين، يُعتبر أحد أهم أدوات الردع للجزيرة العصية، خاصة في ظل استمرار الحصار الأمريكي وارتفاع تكلفته على واشنطن.
وتعهدت الصين، أمس الثلاثاء، بتقديم "الدعم والمساعدة" لكوبا في مواجهة التهديدات الأمريكية المستمرة، منددة بضغوط واشنطن التي "تقوض السلام والاستقرار في المنطقة".
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، جوو جياكون، إن بلاده تعرب عن قلقها البالغ ومعارضتها للإجراءات الأمريكية تجاه كوبا.
وحضت الولايات المتحدة على "التوقف عن تقويض السلام والاستقرار الإقليميين"، داعية واشنطن إلى رفع الحصار والعقوبات فورًا عن كوبا، مؤكدة أنها ستواصل تزويد هافانا بكل الدعم والمساعدة الممكنين.
ومن كراكاس، قال عضو الحزب الاشتراكي الموحد، خالد الهندي، إن ترامب يسعى لإنهاء كافة الأنظمة الاشتراكية في أمريكا اللاتينية، وعلى رأسها كوبا، ضمن إحياء "عقيدة مونرو".
وأوضح أن سياسات واشنطن تهدف إلى كسر أوجه التعاون الكبيرة، لا سيما العسكرية والاقتصادية، بين هافانا وموسكو وبكين، وهو ما يمثل أحد أهم أدوات الردع للجزيرة العصية، خاصة في ظل استمرار الحصار الأمريكي وارتفاع تكلفته على واشنطن.
وأردف الهندي أن كوبا تعتمد في الدفاع عن نفسها دبلوماسياً في المحافل الدولية في ظل الحصار الأمريكي، لاسيما أنها لا تتدخل في شؤون البلدان وليست مصنفة إرهابياً من قبل دول أوروبية على الرغم من أن الكلمة الأخيرة في القارة العجوز للولايات المتحدة.
وأشار الهندي إلى أن فنزويلا كانت داعمًا أساسيًا للاقتصاد الكوبي وسط الحصار والخنق الاقتصادي المستمر، من خلال تبادل الخبرات في القطاعات الصحية والتعليمية والرياضية مقابل دعم قطاع الطاقة من جانب كراكاس.
وأضاف أن هناك علاقات قوية مع دول أخرى، منها المكسيك، التي تطالب الولايات المتحدة برفع العقوبات عن كوبا.
واستكمل الهندي أن واشنطن حاولت كثيرًا التغيير في هافانا عبر الضغط الاقتصادي، وهو ما فشل عدة مرات بسبب صلابة الكوبيين.
وأضاف أن ترامب ينظر بعناية إلى نتائج أي عملية عسكرية محتملة تجاه الجزيرة، لتجنب أي خسائر للولايات المتحدة نتيجة إجراءات انتقامية داخلها أو خارجها، ورفضًا لأي عدوان.
وتابع الهندي أن كوبا لازالت تتعرض لمؤامرات من الولايات المتحدة لوقوفها أمام الإمبريالية الأمريكية ودعمها لأنظمة يسارية وتضامنها مع الشعوب التي تعاني من تدخلات واشنطن، ولن تنسى لها تكسير مخططاتها منذ ستينات القرن الماضي حتى تسببت هافانا بإحراجها أمام المجتمع الدولي.
ودعا رئيس كوبا، ميجيل دياز كانيل، إلى زيادة جاهزية البلاد لمواجهة أي "عدوان" أمريكي بعد تهديدات واشنطن، تزامنًا مع إجراء تدريبات عسكرية.
ويأتي ذلك في الوقت الذي حذر فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، من أن هافانا على وشك السقوط، داعيًا سلطات الجزيرة الخاضعة للحصار الاقتصادي إلى إبرام اتفاق مع واشنطن أو مواجهة مصير مشابه لفنزويلا، حيث اعتُقل الرئيس نيكولاس مادورو من قبل قوات أمريكية.
وبدوره، يؤكد أستاذ العلاقات الدولية، الدكتور خالد شيات، أن الواقع الكوبي كان تاريخياً محمياً، ولا سيما خلال مرحلة الحرب الباردة، عندما احتضنت هافانا الشعارات الاشتراكية والشيوعية المستمرة إلى اليوم، وكانت حاضنتها الاستراتيجية تقوم على الاحتماء ضمن المنظومة الشرقية التي كانت خاضعة لقيادة الاتحاد السوفيتي.
وأوضح شيات في تصريحات لـ"إرم نيوز" أن كوبا اليوم تعيد لعب الدور نفسه تقريبًا، إذ ترتبط استراتيجيًا مع روسيا واقتصاديًا وتجاريًا مع الصين، وهو أمر لم تعد الولايات المتحدة مستعدة لقبوله داخل محيطها الجغرافي المباشر.
وأضاف أن المؤشرات الصادرة عن الإدارة الأمريكية في ظل رئاسة دونالد ترامب توحي بأن مسألة إسقاط النظام الكوبي قد تكون مسألة وقت، مع العمل على إيجاد منظومة سياسية موازية تتماشى مع التوجهات والاستراتيجيات الأمريكية.
وأشار شيات إلى أن كوبا ستبقى دائمًا أقرب نقطة تهديد للولايات المتحدة، مضيفًا أن هذا الواقع سيتعزز في ظل إدارة ترامب، التي تقوم اليوم بما كان يفترض أن تقوم به واشنطن بعد نهاية الحرب الباردة.
وأوضح أن هذه السياسات تبدو طبيعية في السياق الحالي، لكنها كانت لتبدو أكثر طبيعية لو نُفذت في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، حين كانت القوة الأمريكية قادرة على إزالة بعض التهديدات الدولية وإقامة منظومة أخرى.
وذكر شيات أنه لا يوجد اليوم أي توازن فعلي في الحالة الكوبية، باستثناء ما قد يصل إلى مستوى من المقايضة المرتبط بالموقف في أوكرانيا، سواء بالنسبة لروسيا أو الولايات المتحدة، ضمن المشهد العام في القارة الأمريكية.
وأضاف أن مثل هذه المقايضات تبقى جزءًا من التصور الاستراتيجي، حيث لا يوجد تفسير واضح للتنازلات التي تقدمها موسكو في بعض الملفات لصالح واشنطن، كما حدث في فنزويلا، إلا في إطار اعتقاد الكرملين بأن تحييد المجال أمام البيت الأبيض يقابله تحصين وتعزيز المجال أمام موسكو.