قدمت الولايات المتحدة الأمريكية اعتقال رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو بوصفه ضربة موجعة لتجارة المخدرات في أمريكا اللاتينية، غير أن البيانات تشير إلى أن هذه السردية في تهريب الكوكايين في فنزويلا مبالغ فيها، وربَّما مضللة.
وبحسب "المعهد الملكي للخدمات المتحدة"، فإن اقتصاد المخدرات في البلاد لا يقوم على شخص الحاكم بقدر ما يستند إلى شبكة معقدة من الجغرافيا، والانهيار المؤسسي، وتنظيمات إجرامية قادرة على التكيّف السريع مع أي تغيير سياسي.
فنزويلا، أساساً، ليست دولة منتِجة للكوكايين، لكنها تحولت إلى ممر عبور رئيس ضمن سلسلة التهريب العالمية، وهذا الدور لا يرتبط بقرار مركزي من السلطة، بل بعوامل ثابتة، بما فيها حدود طويلة مع كولومبيا، وضعف السيطرة على الأراضي، وتآكل مؤسسات الدولة، ولذا، فإن سقوط مادورو لا يؤثر على الإنتاج ولا على الطلب، بل يترك السوق الإجرامي يعمل بالآليات نفسها التي سبقت وجوده.
وبحسب مصادر فإن الكوكايين يدخل إلى فنزويلا من كولومبيا، حيث تبقى الزراعة والتصنيع الأولي تحت سيطرة جماعات مسلحة مثل "جيش التحرير الوطني" ومنشقّي "فارك"، وداخل الأراضي الفنزويلية، يقتصر الدور على التخزين وتأمين مسارات العبور، سواء عبر طائرات سرية تنطلق من مدارج بدائية، أو عبر البحر الكاريبي باتجاه أمريكا الوسطى، أو من خلال شحنات حاويات تمر عبر موانٍ استراتيجية.
وتشير المعطيات الواردة إلى أن نحو 250 طنًّا متريًّا من الكوكايين تعبر فنزويلا سنوياً، أي قرابة 10% من الإنتاج العالمي.
وفي هذا المشهد، لا يظهر النظام السياسي بوصفه "كارتل مخدرات" مركزياً، بل كبيئة سمحت بتواطؤ مؤسسي مجزأ، فخلال حكم مادورو، لم تكن الدولة تنظّم تجارة الكوكايين من موقع القيادة المباشرة، لكنها سمحت بترتيبات متفرقة بين فاعلين رسميين وجماعات إجرامية، ما أتاح استمرار التهريب من دون الحاجة إلى هيكل موحد أو قيادة واحدة.
أحد أبرز الفاعلين في هذه المنظومة هو تنظيم "ترين دي أراغوا"، الذي لا يعمل ككارتل تقليدي يسيطر على الإنتاج أو التصدير، بل كسلطة محلية تنظّم الوصول إلى الطرق والبنى التحتية.
وهذا النموذج يفسر لماذا لا يؤدي سقوط رأس النظام إلى تفكيك السوق، فالتنظيمات الإجرامية لا تعتمد على مادورو كي تعمل، بل على السيطرة الميدانية والتفاهمات المحلية، وحتى الرواية الأمريكية حول "كارتل الشمس" بوصفه تنظيماً هرمياً تقوده الدولة، تبدو تبسيطاً مفرطاً لواقع أكثر تعقيداً، ما دفع وزارة العدل الأمريكية نفسها لاحقاً إلى التراجع عن التعامل معه ككيان إجرامي فعلي.
وتشير المعطيات إلى أن اعتقال مادورو لم يوقف تدفق المخدرات، في وقت تواصل فيه كولومبيا تسجيل مستويات إنتاج قياسية للكوكايين، وهو العامل الحاسم في استمرار السوق بغض النظر عمّن يحكم فنزويلا.
وقد يكون اعتقال مادورو حدثاً سياسياً مدوياً، لكنه لا يمسّ البنية العميقة لاقتصاد المخدرات، الذي يواصل عمله وفق منطق العرض والطلب، لا وفق مصير رئيس أو نظام.