في خطاب النصر الذي أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بدت تصريحاته فيها فارغة تماماً من أي مضمون جوهري أو مكاسب ملموسة من الحرب التي خاضها لمنع إيران من امتلاك قنبلة نووية.
تقرير لمجلة "ذا أتلانتيك" قدم قراءة تحليلية، شرح فيها كيف أن الحرب انتهت "مؤقتاً على الأقل" بإظهار أن طهران تمتلك سلاح ردع أقوى وأرخص وأكثر تأثيراً في الاقتصاد العالمي: مضيق هرمز.
خلال خمسة أسابيع، يقول التقرير إن واشنطن أمطرت فيها إيران بأكثر من 12 ألف صاروخ وقنبلة وطائرة مسيّرة، لتدمر أسطولها البحري ومعظم بنيتها العسكرية.
قُتل عدد من قادة إيران ونحو 1500 مدني، من بينهم أكثر من 170 طفلاً في مدرسة بنات بسبب خطأ في الاستهداف.
وبعد 12 ساعة فقط من تهديد ترامب بـ"تدمير الحضارة الإيرانية"، وبعد أسابيع من مطالبته بـ"استسلام إيران غير المشروط"، وافقت واشنطن على وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين، بينما تجري مفاوضات السلام.
يشير التقرير في تحليله إلى أنه لم يتحقق أي من أهداف ترامب الأولية، ألا وهي منع إيران من الحصول على سلاح نووي، وتدمير قدراتها الصاروخية، وإثارة ثورة شعبية ضد النظام، أو القضاء على أذرعه في المنطقة.
بدلاً من ذلك، وافقت إيران فقط على إعادة فتح المضيق الذي كان مفتوحاً بحرية قبل الحرب مقابل شروط قد تدر عليها مكاسب مالية هائلة.
رغم الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي أضعفت دفاعات إيران، فإنها لم تقضِ على قدرة طهران على الدفاع عن نفسها.
يضيف التقرير أن إيران قد تخرج من الحرب في موقع استراتيجي أقوى مما كانت عليه، مشيراً إلى أنها خسرت كل المعارك العسكرية، لكنها فازت بالحرب سياسياً واقتصادياً.
يقول فالي نصر، أستاذ الشؤون الدولية في جامعة جونز هوبكنز: "السيطرة على المضيق أصبحت الآن الأصل الاستراتيجي الأهم لإيران، وهي أكثر أهمية من برنامجها النووي".
أعلنت إيران أنها ستفرض رسوم مرور على السفن العابرة للمضيق. واعترف ترامب بأن المفاوضات المقبلة في إسلام آباد ستدور جزئياً حول سيطرة إيران على الممر المائي، بل اقترح أن تشارك الولايات المتحدة في الأرباح! وقال في مقابلة: "نفكر في عمل مشترك، طريقة لتأمينه وحمايته من الآخرين".
تساءل تقرير المجلة: كيف نجحت دولة تتعرض لقصف مستمر بأحدث الأسلحة في الخروج بمكسب استراتيجي؟ قائلة إن الجواب يكمن في وضوح الأهداف.
بينما كانت أهداف إيران واضحة وثابتة، بقاء النظام وتعويض الأضرار، كانت تصريحات ترامب متضاربة ومتغيرة يوماً بعد يوم: من تغيير النظام إلى تدمير المنشآت النووية، ثم الادعاء بالنصر المبكر رغم استمرار الحرب.
أصبحت السيطرة على مضيق هرمز – الذي يمر عبره خُمس نفط العالم – النقطة الأكثر إثارة للجدل، بعد أن رفضت دول الناتو مساعدة أمريكا في فتحه، واضطر ترامب في النهاية إلى التوسل: "يجب على هؤلاء المجانين فتح المضيق اللعين وإلا...".
قبل الحرب، يقول التقرير، إن طهران كانت تعتمد على وكلائها (حماس، حزب الله، الحوثيين، الميليشيات العراقية).
لكن اغتيال قاسم سليماني والحروب في غزة ولبنان وسقوط الأسد، بالإضافة إلى الاحتجاجات الداخلية، أضعفتها.
بدت إيران في أضعف حالاتها يوم 28 فبراير عندما بدأت الحرب، لكنها وجدت في المضيق "سلاحها النووي الاقتصادي".
أظهرت محاكاة سابقة لمعهد هدسون، بتكليف من البحرية الأمريكية، أن إيران تستطيع إغلاق المضيق بسهولة وبتكاليف رخيصة، بينما يجد الأمريكيون صعوبة كبيرة في إعادة فتحه، ويحتاجون إلى عمليات طويلة الأمد للحفاظ عليه.
يقول بريان كلارك، الضابط البحري المتقاعد: "لم نكن نتوقع الفوز، بل فقط فتح المضيق ثم الدفاع عنه باستمرار".
قبل الحرب، كان يعبر المضيق 135 سفينة يومياً. بعد إغلاقه فعلياً في مارس، قفز سعر برنت من 73 دولاراً إلى قرابة 120 دولاراً، وكان من المتوقع أن يصل إلى 150.
فرضت إيران رسوماً تصل إلى مليوني دولار على بعض السفن. وقد تجني طهران، إذا حافظت على الرسوم، ما يصل إلى 90 مليار دولار سنوياً، أي خُمس الناتج المحلي الإجمالي، دون أن تكون هذه الإيرادات موجودة قبل الحرب.
تابع تقرير المجلة أن إيران هاجمت خط أنابيب سعودياً يتجاوز المضيق، وتواصل الضربات على حلفاء أمريكا في الخليج.
في حين أن المفاوضات في باكستان ستكون دقيقة للغاية، إذ تريد واشنطن خفض أسعار الوقود واستقرار الاقتصاد العالمي، بينما تسعى طهران للحصول على تعويضات مقابل بقائها بعد مواجهة أقوى جيشين في العالم.