سرّبت كريستين لاغارد بهدوء في منتصف فبراير الماضي، إلى الصحافة أنها "لا تستبعد" مغادرة رئاسة البنك المركزي الأوروبي قبل انتهاء ولايتها في أكتوبر 2027.
جملة واحدة كانت كافية لإشعال سباق الخلافة وإجبار المرشحين على الكشف عن أوراقهم. وتقول صحيفة "لوموند" الفرنسية أن لاغارد تُجري مفاوضات لتولي رئاسة المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس. لكن الأهم ليس رحيل لاغارد، بل ما تُحاول باريس انتزاعه في المقابل.
تتنافس على المنصب ثلاثة أسماء أعلنت عن نفسها أمام وزراء اقتصاد منطقة اليورو: كلاس كنوت، الحاكم السابق للبنك المركزي الهولندي، وبابلو إيرنانديز دي كوس، الحاكم السابق للبنك الإسباني والمدير الحالي لبنك التسويات الدولية، ويواخيم ناغيل الرئيس الحالي لبنك الاحتياط الألماني البوندسبنك. وقد انطلق كنوت بالفعل في جولة على العواصم الأوروبية وكان في باريس في الأول من أبريل.
لكن قواعد اللعبة غير المكتوبة تُقيّد الخيارات. فثمة قاعدة تشترط أن يكون بين الأعضاء الستة لمجلس الإدارة ممثل عن كل من الدول الأربع الكبرى: ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا. فرنسا حصلت على الرئاسة مرتين: مع جان-كلود تريشيه ثم مع لاغارد.
ويقول حاكم بنك مركزي في دولة صغيرة للوموند: "الفرنسيون والإيطاليون حصلوا عليها. هذا يُعزز مرشحي إسبانيا وألمانيا"، لكن الحظوظ الألمانية تتراجع بدورها لسبب بسيط: فون دير لاين تشغل بالفعل رئاسة المفوضية الأوروبية. ومن الصعب على الأوروبيين تركيز هذين المنصبَين في برلين في آنٍ واحد.
هنا تكمن المناورة الفرنسية الحقيقية. فإذا فاز كنوت الهولندي بالرئاسة، وهو المقرّب من دول الشمال الأكثر تشدداً في السياسة النقدية، فإن باريس ستُطالب بمنصب كبير اقتصاديي البنك، الذي بات شاغرًا بتقاعد الأيرلندي فيليب لاين في مايو 2027.
هذا المنصب ليس رمزياً: فهو المسؤول رسمياً عن صياغة قرارات السياسة النقدية في اجتماعات مجلس المحافظين. بمعنى أن من يشغله يُحدد فعلياً سياسة الفائدة وحجم التدخل في الأسواق لكامل منطقة اليورو.
وتُشير "لوموند" إلى أن اسمين فرنسيين يُتداولان بالفعل لهذا المنصب: لورانس بون، وزيرة الدولة السابقة للشؤون الأوروبية في عهد ماكرون، وأنييس بيناسي-كيريه النائب الثاني لحاكم البنك المركزي الفرنسي. ولهذا الاختيار ميزة إضافية: تأنيث مجلس المحافظين الذي لا تشغل فيه النساء سوى مقعدين من أصل 27.
في المقابل، لا تبدو مهمة كنوت سهلة. فدي كوس الإسباني يملك ملفاً متيناً، وفق ما رصدته مذكرة "Allianz Global Investors"، إسبانيا لم تحصل قط على الرئاسة ولديها مرشح محترم جداً، وإذا فاز دي كوس، المُصنَّف في خانة "الحمائم" المؤيدين لسياسة نقدية مرنة، فإن برلين ستطالب بمنصب كبير الاقتصاديين تعويضاً، وتضطر فرنسا للاكتفاء بمنصب أقل أهمية.
يلخص شاهين فاليه، الاقتصادي الفرنسي في المجلس الألماني للشؤون الخارجية، المعادلة: "إذا فاز دي كوس، سيطالب الألمان بمنصب كبير الاقتصاديين. وستضطر فرنسا إلى الاكتفاء بشيء آخر أقل تأثيراً."
يُذكّر المحللون بأن عام 2019 شهد مفاجأة كاملة: اسم لاغارد جاء مدهشاً للمراقبين رغم أنها كانت تُدير حملتها سراً منذ عام كامل. ولا شيء يستبعد تكرار هذا السيناريو. فالمنصب لا يُحدده البنك بل رؤساء الدول والحكومات الـ21 لمنطقة اليورو، وهؤلاء يُفاجئون المراقبين كثيراً في اللحظات الأخيرة.
البنك المركزي الأوروبي في عصر الحرب الإيرانية وأزمة الطاقة يواجه تحدياً استثنائياً: التضخم يعود ومعه ضغوط على الفائدة. ومن يجلس على كرسي لاغارد، سيرسم السياسة النقدية لـ340 مليون أوروبي في لحظة من أشد اللحظات حساسيةً.