تتصاعد الأنباء والتسريبات حول مغادرة رئيسة البنك المركزي الأوروبي، الفرنسية كريستين لاغارد منصبها، ما أثار تساؤلات حول وجهتها المقبلة، وهوية من يخلفها.
وكان تسريب واحد عن رحيل مبكر محتمل، كفيلاً بإشعال سباق محموم بين عواصم أوروبا الكبرى، وإعادة طرح أسئلة أعمق: "هل تُفكر لاغارد في العودة إلى السياسة الفرنسية؟ وهل يحاول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إغلاق باب المنصب قبل أن يصل اليمين المتطرف؟ ومن سيجلس في أقوى كرسي اقتصادي بالقارة العجوز؟".
التسريب الذي نشرته صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية مفاده أن رئيسة البنك المركزي الأوروبي تدرس جدياً مغادرة منصبها قبل انتهاء ولايتها المقررة في أكتوبر/تشرين الأول 2027، استناداً إلى مصدر مقرب.
وعلى الرغم من نفي المتحدث باسم البنك وجود أي قرار بهذا الشأن على الفور، مؤكداً أن لاغارد "منصرفة تماماً لمهمتها"، أشعل التسريب جدلاً واسعاً في بروكسل وباريس وفرانكفورت، وفتح الباب على مصراعيه أمام سؤال لم يعد سراً: "من سيخلف أقوى امرأة في الاقتصاد الأوروبي؟".
ووفق موقع "ليدجر إنسايتس"، فإن "التوقيت ليس بريئاً، إذ تُجرى الانتخابات الرئاسية الفرنسية في أبريل/نيسان 2027، قبل أشهر من انتهاء ولاية لاغارد، في ظل صعود متواصل لحزب التجمع الوطني، اليمين المتطرف، بزعامة مارين لوبان وخليفتها جوردان بارديلا في استطلاعات الرأي".
ويرى المراقبون، أن رحيلاً مبكراً قد يمنح الرئيس إيمانويل ماكرون فرصة رؤية خليفة لها قبل أي تغيير سياسي محتمل في الإليزيه، أي فوز اليمين المتطرف وإمكانية التدخل في اختيار رئيس البنك المركزي الأوروبي المقبل.
لكن ثمة رواية أخرى تتشكل في الكواليس: لاغارد شغلت منصب وزيرة المالية الفرنسية بين 2007 و2011، قبل أن تتولى إدارة صندوق النقد الدولي (IMF)، ثم رئاسة البنك المركزي الأوروبي.
ويُلاحظ موقع "بوليتيك ماتان" أن التوقيت "لا يخلو من إثارة فرضية عودتها إلى المشهد السياسي الوطني"، في تشابه صريح مع مسار دومينيك ستروس-كان، الذي جمع بين وزارة المالية وإدارة الصندوق قبل أن يُطرح اسمه لرئاسة الجمهورية.
وتتصارع أسماء عدة على خلافة لاغارد، وفق ما رصدته مجلة "بوليتيكو"، ومنها: كلاس كنوت، محافظ البنك المركزي الهولندي لولايتين متتاليتين والرئيس السابق لمجلس الاستقرار المالي، يُعدّ المرشح الأوفر حظاً بفضل خبرته الواسعة، وإن كان غيابه الحالي عن دوائر صنع القرار قد يُضعف موقفه التفاوضي.
ومن بين الأسماء أيضا بابلو هيرنانديز دي كوس، المحافظ السابق لبنك إسبانيا والرئيس الحالي لبنك التسويات الدولية في بازل، مرشح داخلي قوي، لكن انتقاده العلني لحكومة بيدرو سانشيز قد يُكلفه الدعم السياسي من مدريد.
أما على الجانب الألماني، فثمة 3 أسماء تتداولها برلين: إيزابيل شنابل، رئيسة قسم الأسواق في البنك المركزي الأوروبي والمعروفة بمواقفها المتشددة تجاه التضخم؛ ويواخيم ناغل، رئيس البوندسبنك، رغم توتر علاقته بالمستشار فريدريش ميرتس؛ فضلاً عن يورغ كوكيز، وزير المالية السابق الذي تجمعه علاقات وثيقة بعالم المال بعد سنوات قضاها في غولدمان ساكس.
وكخيار احتياطي، يُذكر اسم كريستالينا غيورغييفا، المديرة التنفيذية لصندوق النقد الدولي، وإن كانت تفتقر إلى الدعم السياسي اللازم على مستوى رؤساء الحكومات.
وتثير هذه التطورات تساؤلا حول ما إذا كان اليمين الفرنسي يستطيع تعيين مرشحه، لكن خبراء الاقتصاد يجيبون على السؤال بحسم: لا.
فرئيس البنك المركزي الأوروبي يُعيّن بموافقة المجلس الأوروبي بأغلبية مؤهلة تشترط موافقة 55% من الدول الأعضاء و65% من سكان الاتحاد.
ويؤكد فريدريك دوكروزيه، رئيس الأبحاث الاقتصادية الكلية في "بيكتيه ويلث مانجمنت"، أن احتمال فرض مرشح متطرف "يساوي صفراً"، لأن القرار سيبقى دائماً رهين التوافق مع ألمانيا وبقية الدول.
وفي المقابل، يرى أندرو كينينغهام، كبير اقتصاديي أوروبا في "كابيتال إيكونوميكس"، أن المناورات السياسية حول توقيت الرحيل "ليست مظهراً لائقاً"، محذراً من أنها تنال من صورة البنك بوصفه مؤسسة مستقلة بامتياز.