logo
العالم

"عمق استراتيجي" لهندوراس.. عصفورة "يطير" بين واشنطن وتل أبيب وتايوان

رئيس هندوراس المنتخب نصري عصفورةالمصدر: (أ ف ب)

لا يبدو أنّ 135 منظمة دولية، التي دعت الرئيس الهندوراسي الجديد نصري عصفورة إلى سحب سفارة بلاده في إسرائيل من القدس، قد أحسنت قراءة الرؤية الاستراتيجية الدولية لعصفورة، والتي تقوم على ثلاثية "إسرائيل – أمريكا – تايوان". فبعد زيارة خاطفة إلى واشنطن، من المقرر أن يزور تل أبيب بداية الأسبوع الجاري.

والتقى الرئيس الهندوراسي المنتخب حديثًا، نصري عصفورة، بوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في واشنطن، حيث بحث المسؤولان العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية والدولية.

وأوضح بيان وزارة الخارجية الأمريكية أنّ اللقاء تناول الأولويات المشتركة بين الولايات المتحدة وهندوراس، وجهود تحقيق الاستقرار في فنزويلا، ومكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود.

كما رحّب عصفورة بتعميق الشراكة بين بلاده والولايات المتحدة الأمريكية، وبفرص الاستثمار الجديدة، مجددًا تعهّد بلاده بالعمل على إنهاء الهجرة غير النظامية، والحفاظ على اتفاقية تسليم المجرمين بين البلدين.

ومن المقرر أن يؤدي عصفورة اليمين الدستورية رئيسًا للبلاد في السابع والعشرين من جانفي/يناير الجاري.

زيارات مكوكية قبل اليمين الدستورية

ويبدو أنّ عصفورة اختار تعيين ملامح رؤيته الاستراتيجية من خلال الزيارات الدبلوماسية قبل أدائه اليمين الدستورية. فبعد رحلته إلى واشنطن ولقائه بوزير الخارجية ماركو روبيو، من المقرر أن يتوجه بعد غدٍ الأحد إلى إسرائيل، حيث أوردت مصادر إعلامية إسرائيلية، نقلًا عن مصادر رسمية، أنه من المنتظر أن يصل عصفورة إلى تل أبيب في السابع عشر من كانون الثاني/يناير.

ومن المقرر أن يلتقي كبار المسؤولين في إسرائيل، وعلى رأسهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، والرئيس إسحاق هرتسوغ، ووزير الخارجية جدعون ساعر.

ووفقًا للمراقبين، فإنّ الزيارتين تمثلان الخيط الناظم للرؤية الاستراتيجية لإدارة الرئيس عصفورة، والتي سبق أن أشار إليها في تصريحات صحفية، مؤكدًا أنّ مشروعه السياسي والدبلوماسي يقوم على ثلاثية "واشنطن – إسرائيل – تايوان".

وهو ما تلقفته إدارة الرئيس دونالد ترامب من خلال تهديدها الواضح والصريح للناخبين الهندوراسيين بتعليق المساعدات المالية في حال صعود أي رئيس آخر إلى سدة السلطة في البلاد. 

أخبار ذات علاقة

نصري عصفورة

مدعوم من ترامب.. إعلان نصري عصفورة رئيساً لهندوراس

ويحظى اليمين الهندوراسي، وعلى رأسه الحزب الوطني المحافظ، بمكانة مهمة في التصور الأمريكي للفضاء الأمريكي اللاتيني، والذي تعتبره الرؤية الأمنية الجديدة فناءً خلفيًا وعمقًا استراتيجيًا لا بد أن يكون خاليًا من ثلاثة مخاطر وتهديدات، هي: التيارات اليسارية، والتغوّل الاقتصادي الصيني، والتوغل السياسي الروسي.

ويأتي عصفورة ضمن هذه الاستراتيجية الأمريكية التي تعكف واشنطن على إسقاطها في الفضاء الأمريكي اللاتيني، سواء من خلال القوة العسكرية (النموذج الفنزويلي)، أو التلويح باستخدامها (النموذج المكسيكي والكولومبي والكوبي)، أو عبر الدعم المالي واللوجستي (النموذج الأرجنتيني مع الرئيس خافيير ميلي).

كما يتمتع النظام الهندوراسي الجديد بأهمية قصوى لدى واشنطن، نظرًا لجهوده الكبيرة في محاربة الجريمة المنظمة وعصابات تهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

غير أنّ هذه الأهمية لا تبدو مقتصرة على المجال الأمريكي اللاتيني، بل تتعداه إلى مجالين تعتبرهما واشنطن أولوية استراتيجية قصوى، وهما: "إسرائيل" و"الصين".

حليف إسرائيل… عدو الصين

بالنسبة لإسرائيل، من الواضح أنّ نظام عصفورة يعتبر تل أبيب – على عكس الرئيسة السابقة زيومارا كاسترو، وعلى خلاف غالبية الأنظمة اليسارية في أمريكا اللاتينية – حليفًا استراتيجيًا.

ويتضح ذلك من خلال الزيارة الأولى التي سيؤديها عصفورة قبل أدائه اليمين الدستورية أصلًا خارج القارة الأمريكية، والتي ستكون إلى تل أبيب، إذ من المقرر أن يتضمن برنامج الزيارة جولات في مواقع دينية وتاريخية، من بينها حائط المبكى ومتحف "ياد فاشيم".

وفي هذا المفصل، يؤكد المراقبون والمتابعون للشأن الهندوراسي أنّ أهمية تل أبيب لدى عصفورة تعود إلى ثلاثة اعتبارات كبرى: الاعتبار الأمني، والاقتصادي الزراعي، والسياسي الدولي.

أما الاعتبار الأمني فيكمن في الاعتماد الهندوراسي التقليدي على الأسلحة الإسرائيلية الخفيفة والمتوسطة، مع وجود مشاريع مستقبلية لتشمل أوجه التعاون تحديث القوات الجوية والبرية بمعدات مراقبة إسرائيلية متطورة لمكافحة تهريب المخدرات.

ويضاف إلى ذلك وجود توجه قوي – كشفت عنه مصادر إعلامية محلية – للاستعانة بالخبرات الإسرائيلية في بناء نظام أمني ذكي للمدن، وهو نظام سبق لعصفورة أن جرّبه خلال توليه منصب عمدة العاصمة تيغوسيغالبا.

أما الاعتبار الاقتصادي، فيشمل – وفقًا للعديد من المختصين في المجال الزراعي – استفادة هندوراس من الخبرات والتقنيات الإسرائيلية في تكنولوجيا الري بالتنقيط وإدارة المياه، خاصة وأنّ البلاد تقع في الممر الجاف وتعاني من الجفاف المتكرر.

والاعتبار الأخير، فهو السياسي والدولي، إذ إنّ الاقتراب من إسرائيل ودعم مواقفها في المنظمات الإقليمية والدولية من شأنه أن يستدر دعم إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كما يُبرز التمايزات السياسية بين نظام عصفورة من جهة، ونظام كاسترو، وكافة الأنظمة اليسارية في المنطقة اللاتينية من جهة أخرى.

ولا يمكن، في هذا السياق، تجاهل معطى انتخابي أساسي يتمثل في أنّ الرئيس الجديد يستند إلى قاعدة شعبية عريضة من الكنائس الإنجيلية في هندوراس، وهي خزان انتخابي ضخم يضع إسرائيل ومصالحها في قلب التوازنات الانتخابية في البلاد، ويجعل من طبيعة العلاقات معها رهانًا سياسيًا مهمًا لكافة الفاعلين السياسيين. 

أخبار ذات علاقة

نصري عصفورة

وسط مخاوف صينية.. هل يعيد الرئيس الهندوراسي الجديد العلاقات مع تايوان؟

العودة إلى الحضن "التايواني"

وفيما يخص الملف الهندوراسي – الصيني، فمن الواضح أنه سيمر بمنعرج سياسي خطير، قوامه إمكانية مراجعة عصفورة لموقف بلاده من الاعتراف بالصين الواحدة، وإعادة العلاقات مع تايوان إلى سالف نشاطها قبل عهدة الرئيسة كاسترو.

ولئن تأكدت المؤشرات القائمة حاليًا نحو قرار رسمي باستئناف العلاقات مع تايبيه، فإنّ ذلك سيمثل صفعة أمريكية ثانية تتلقاها بكين، بعد إضعاف موقفها في فنزويلا وإزاحة مادورو وسيطرة واشنطن على صادرات النفط هناك.

وفي هذا الملف، يعتبر المراقبون للشأن الهندوراسي أنّ استئناف العلاقات بين تيغوسيغالبا وتايبيه يمثل رهانًا أمريكيًا خالصًا، باعتباره يؤكد فرضية خسارة الرهان على الحصان الصيني، سواء عسكريًا أو اقتصاديًا، وأنّ بكين، رغم تقدمها الاقتصادي، عاجزة عن حماية حلفائها عسكريًا (نموذج مادورو)، وقاصرة عن دعمهم ماليًا (النموذج الهندوراسي).

وفي هذا السياق، يراهن عصفورة كثيرًا على واقع أنّ رهانات حكومة كاسترو على الصين لتعويض السوق التايوانية في استيعاب الصادرات الهندوراسية من الروبيان (الجمبري) باءت بالفشل، وأثارت غضب رجال الأعمال وكبار الفلاحين، وهو ما ساهم في تدهور شعبية كاسترو وإضعاف الحزب اليساري، الذي تجرّع خسارة انتخابية كبرى في الاستحقاق الرئاسي الجاري.

فعلى الرغم من الوعود الصينية بفتح سوق يضم 1.4 مليار مستهلك أمام الصادرات الهندوراسية من الروبيان، تؤكد التقارير الرسمية أنّ هندوراس لم تبع سوى حاوية واحدة فقط، مع تسجيل انهيار كبير في الصادرات تراوح بين 67 و70 % بحلول سنة 2024، الأمر الذي أفضى إلى تراجع عائدات الروبيان من مئات الملايين إلى 25 مليون دولار في العام 2024، نتيجة فقدان السوق التايوانية. 

أخبار ذات علاقة

نصري عصفورة الفائز بالانتخابات الرئاسية في الهندوراس

بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية لهندوراس.. من هو نصري عصفورة؟

وهي خسائر مفزعة إذا ما قورنت بعام 2023، حيث كانت تايوان تستورد 11 ألف طن سنويًا، وفي العام 2022 مثلت الصادرات إلى تايوان 40 % من إجمالي صادرات الروبيان الهندوراسي.

وعلى هذا الأساس، يمكن تفسير تصريح عصفورة بأنّ "هندوراس كانت أفضل 100 مرة اقتصاديًا عندما كانت حليفة لتايوان"، وهو تصريح يمثل إعلانًا صريحًا عن نية استئناف العلاقات الثنائية.

حيال كل ما تقدم، من الواضح أنّ هندوراس ستكون على موعد مع رئيس جديد وعهدة رئاسية جديدة، مختلفة تمامًا عن عهدة الرئيسة كاسترو. وبغض النظر عن عناوينها أو عواصمها، فإنّ المواطن الهندوراسي ينتظر ما يسد به رمق الجوع، وما يخفف من وطأة الجفاف الذي يضرب البلاد والعباد. 

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2025 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC