logo
العالم

يمثل الخزان الانتخابي.. ما أثر تيار "ماغا" في اعتقال مادورو؟

شعار حركة "جعل أمريكا عظيمة"المصدر: ا ب

لا تستبعد القراءات السياسية في الولايات المتحدة ربط الخطوة الأمريكية الأخيرة باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وعقيلته واقتيادهما إلى المحاكمة في نيويورك، بسعي الرئيس دونالد ترامب إلى جسر الهوّة السياسية المتعاظمة التي تشقّ تيار "ماغا" والتّقليص بذلك من خطر الانقسامات الهيكلية والبنيوية التي تضرب التيار والذي يمثل الخزان الانتخابي لترامب وللحزب الجمهوري في الاستحقاقات الاقتراعية القادمة، وعلى رأسها الانتخابات النصفية للكونغرس الأمريكي.  

ويمثل تيار "ماغا" – وتسميته تعود إلى تجميع الأحرف الأولى من جملة لنجعل أمريكا عظيمة مجددا Maka America Great Again"، النواة الصلبة للكتلة الانتخابية المؤيدة للرئيس دونالد ترامب ولسياساته الداخلية والإقليمية.

وتشير الكثير من الدراسات السياسية إلى أنّ أصل التيار يعود إلى "حزب الشاي"، والذي تأسس فعليًّا في عهد الرئيس باراك أوباما، بغرض معارضة سياسات الأخير في ملفات الهجرة والإنفاق الحكوميّ والزيادة في الدَّيْن العامّ.

أخبار ذات علاقة

شعار "لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً"

"ماغا" تعبر الأطلسي.. موجة يمينية أمريكية تهدد "القارة العجوز"

وقد وجد "حزب الشاي"، في فشل ترامب في الحصول على عهدة رئاسية ثانية سنة 2020، وخسارته القاسية أمام المرشح الديمقراطي جو بايدن، وانقلاب "عتاة الجمهوريين" عليه، مقوّمات مهمة لإطلاق حركة "ماغا"، والتي تطورت مطالبها السياسية إلى مستويات محاربة – ما تسميها - الدّولةِ العميقة ورفض سياسات التنوع والتعدد الثقافيّ، ومعارضة حقوق الأقليات الجنسية والجاليات المهاجرة، ومعاداة النخبّ اليسارية والديمقراطية والمسلمين، ومحاربة التمدد الصيني في الفضاء الأمريكي. 


"ماغا" يكتسح الجمهوري 


ويؤكد المراقبون في هذا السياق، حدوث تغييرات في البنية السياسية للحزب الجمهوري، حيث باتت غالبيته من النواب ومن القيادات الجمهورية، أقرب ما يكون للرؤى الترامبية في القضايا الداخلية والخارجية، الأمر الذِّي يفتح الباب نحو انزياح تدريجي إلى "الأطروحة الماغائية" بعيدًا عن الخطوط السياسية العريضة التي مثلت تاريخيًّا الخيط الناظم لسياسة ولفلسفة الحزب الجمهوري.  

ويرجح المتابعون للشأن الأمريكي أنّ يكون اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو في علاقة سببية بالتموّجات الخطيرة التي بدأت تشق تيار "ماغا"، وهي تموّجات تهدد لا فقط التيار بل الحزب الجمهوري برمته، وقد تعصف بكامل حظوظه في الانتخابات النصفية والرئاسية المقبلة سواء ترشح فيها ترامب أو رشّح مؤيدًا له.

في هذا المستوى، يكشف المراقبون، أنّه رغم الالتفاف الكبير الذي أبداه تيار "ماغا" حول ترامب في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، فإنّ السنة الرئاسية الأولى من العهدة الثانية اتسمت بحدوث انقسامات شقت التيار إلى قسمين كبيرين متباينين ومتنافرين إلى حدّ التناقض.
أسباب انقسام "ماغا"

وتعود أسباب الانقسامات البنيوية الخطيرة إلى 3 ملفات كبرى، وهي على التوالي ملفّ "القانون الكبير المالي"، و"ملف التدخل العسكري في إيران"، وملفّ "فضائح بيدسن".

أمّا الملف الأوّل فإنّ تقديم نواب الحزب الجمهوري في الكونغرس وفي مجلس النواب، في مايو 2025، لمشروع إصلاح اقتصادي بعنوان "القانون الكبير المالي"، ينص على حزمة ضخمة من الإجراءات المالية وعلى رأسها رفع سقف الدين العام إلى 5 تريليونات دولار؛ ما أثار حفيظة قسم مهم من أتباع "ماغا".

 إذ أثارهم أيضًا خفض الإنفاق على برنامج "الميديكيد" وهو برنامج للرعاية الصحية يعتمد عليه الملايين من البؤساء والفقراء في الولايات المتحدة الأمريكية، إضافة إلى الاستمرار في سياسة التخفيضات الضريبية – والتي تنتفع بها قصرًا الشركات الكبرى ورجال الأعمال الأثرياء-، مع زيادة جنونية في الإنفاق العسكري والحدودي وتقليص الإنفاق الفيدرالي في مجالات أخرى.

صحيح أنّ المشروع تمّ تعديله في مجلس الشيوخ والنواب، ولكن مجرّد اقتراحه من كتلة جمهورية، أثار العديد من التباينات صلب "ماغا"، من ثلاث زوايا على الأقلّ، الأولى وهي الإنفاق الفيدرالي المتزايد، والثانية وهي رفع سقف الدين العامّ، والثالثة وهي عدم إيجاد التوازن بين الإنفاق العسكري وتمويل المجالات الأساسيّة لشريحة واسعة من الطبقة الفقيرة والمتوسطة في البلاد.

أخبار ذات علاقة

دونالد ترامب

"انتصارات ماغا 2025".. تحصيل 235 مليار دولار من رسوم ترامب الجمركية

تساؤلات حول التدخل العسكري في إيران 


وعلى ضوء هذه الزوايا، حدث الانشقاق الأولّ والذي تعاضد بسرعة مع الانخراط العسكري الأمريكي في إيران، وتوجيه ضربات للمشروع النووي والصاروخي الإيرانيّ.

في هذا المفصل أيضًا، حصل تباين في الرؤى حول حدود التحالف الأمريكي مع إسرائيل في محاربة أعدائها، ومدى انسجام هذا الانخراط مع مبدأ "رفض خوض الحروب العسكرية خارج البلاد" وهو مبدأ أساسيّ لـ"ماغا" مستلّ من قاعدة "ضرورة الكف عن الحروب المكلفة ماديا وبشريا".

ولئن اتفق الطرفان على ضرورة دعم إسرائيل في حربها ضدّ إيران، إلا أنّهما اختلفا حول طبيعة ومستوى هذا التحالف العسكريّ.
أمّا نقطة التمايز الثالثة فكانت حول ما بات يعرف إعلاميًّا بملفات رجل الأعمال الراحل "جيفري إبستين"، حيث علّق التيار آمالا كبيرة حول هذا الملف الخطير لتوجيه ضربة قاسية وقاصمة للحزب الديمقراطي من خلال كشف ارتباط الشخصيات الديمقراطية المرجعية وعلى رأسها الرئيس الأسبق بيل كلينتون بشبكات الاتجار الجنسي بالأطفال.

كان تيار "ماغا" يمني النفس بتوجيه ضربة أخلاقية للتيار الديمقراطي، من خلال إبراز الأخير ك"وكر سياسي للانحلال الأخلاقي والدينيّ"، وهو اتهام يُراد من خلاله ضرب منظومة حقوق الإنسان من الجيل الثالث والرابع، إذ يركزان على حقوق الأقليات الجنسية وضرورة الاعتراف بميولاتهم الجنسية الشاذة، وتمكينهم من مصفوفة حقوق من أهمها الحق في الخدمة العسكرية وفي الزواج الكنسيّ.  

غير أنّ وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالية خيَّبا كل هذه الآمال، بالإشارة إلى عدم العثور على دليل على أنّ "إبستين"، ابتز شخصيات كبيرة أو أنّ لديه قائمة علماء سرية وأنه مات مقتولا.  

في هذا المستوى انقسم "ماغا" إلى فريقين اثنين، واحد يرى أنّ دونالد ترامب تدخّل شخصيا لحماية نفسه وحلفائه من هذه الفضيحة الجنسية، وثان يعتبر أنّ الملف من أصله فارغ وتعرض لمزايدات سياسية رخيصة.


مادورو قربان وحدة "ماغا"


وسط مرجل الغضب السياسي الآخذ بالغليان، تؤكد مصادر سياسية وإعلامية أمريكية مطلعة أنّ ترامب سعى إلى اتخاذ خطوة التصعيد العسكري في فنزويلا، قصد جسر الهوة المتعاظمة بين الفريقين.

فمن جهة، يلبي التصعيد الأمريكي مطالب "ماغا"، في توفير إمدادات مالية معتبرة لإنفاقها داخليًّا، فالعائدات المالية المنتظرة والمقررة من النفط والغاز الفنزويلي، من شأنها أن تلبي الكثير من المطالب الاقتصادية والاجتماعية الملحة.

كما يتلاءم تصعيد إدارة ترامب مع فلسفة "ماغا"، من حيث التخفيف من عدد المهاجرين الفنزويليين والذين تقاطروا وتدفقوا بمئات الآلاف على أمريكا خلال اشتداد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى والتي أودت بالعملة المحلية والتضخم والفقر إلى مستويات كارثية.

إذ يستهدف التصعيد الأمريكي ضدّ حكومة مادورو، والسعي الواضح إلى إسقاطها، إعادة المهاجرين الفنزويليين إلى بلادهم، باعتبارهم – وفق سردية ورواية "ماغا"- أسباب الأمراض وانتشار المخدرات والجريمة المنظمة.

مع الإشارة إلى أنّ التوغل الأمريكي في فنزويلا، لم يأخذ شكل الغزو أو الاحتلال – كما يرفض تيار "ماغا-، وإنما أخذ طابع العملية الجراحية الدقيقة التي غيّبت رأس النظام وضربت مصداقية خطابه وأطاحت بالرأس المال الاعتباري والرمزي المتبقي للتيارات اليسارية الحاكمة في أمريكا اللاتينية ولحلفائها من الصين وروسيا.

دون نسيان، أنّ العملية تمثل وفق المقاربات الإعلامية والاتصالية، توجيهًا للأنظار المحلية والإقليمية والدولية عن فضيحة "إبسين"، وتغيير العناوين الأولى لوسائل الإعلام الجماهيرية واستبدال عنوان "إبسين" ب"مادورو"، وتعويض صور السياسيين الأمريكيين مع الفتيات والمراهقات بصورة اعتقال الرئيس الفنزويلي واقتيادته برفقة عقيلته إلى المحكمة الفيدرالية.

أخبار ذات علاقة

الزعيم الصربي الموالي لروسيا ميلوراد دوديك

"انقلاب" أمريكي تجاه البلقان.. نفوذ "ماغا" يعيد هندسة ملفات حساسة

ووفقا للمراقبين، فإنّ أثر "ماغا" في الفعل الفنزويلي، موجود ومعتبر ويستحق تسليط الضوء عليه، ولكن في المقابل لا يعني عدم وجود أبعاد سياسية وإستراتيجية أخرى على غرار النفط والتموقع الإستراتيجي وضرب التمدد الصيني والروسي والسيطرة على المعادن، وتنظيف الفناء الخلفي لواشنطن، وكلها عوامل أسهمت في استحثاث القرار العسكري ضدّ كاراكاس.  

وهي أبعاد كانت مهمة وأساسية في حسابات ترامب عند الإقدام على القبض على مادورو في ما بات يعرف بـ"ليلة القبض على الرئيس وزوجته".

في المحصلة، لا يمكن إغفال الأبعاد المحلية في تفسير الخطوة الأمريكية، فتماسك تيار "ماغا" ومن ورائه "الحزب الجمهوري"، أساسي ومفصليّ، في تأمين الغالبية الجمهورية في الانتخابات النصفية القادمة للكونغرس ولمجلس النواب، ولئن حملت انتخابات عمدة "نيويورك" تباشير تغيير في المزاج الانتخابي الأمريكي فإنّ هذه العملية من شأنها تعديل هذا المزاج لصالح الجمهوري، والحيلولة دون سيناريو "البطة العرجاء" والذي يمثل الكابوس الحقيقي لترامب.

ولئن أضفنا لكل ماسبق، رغبته الممكنة في الانخراط في الترويج لحقه الدستوري في عهدة رئاسية ثانية/ ثالثة، فإنّ هذا المسعى سيكون مستعصيًا على ترامب وعلى فريقه، دون تماسك "ماغا".

أخبار ذات علاقة

زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ الأمريكي تشاك شومر

تهديدات بوجود قنابل.. رسائل تحمل شعار "ماغا " تصل مكاتب شومر

 

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2025 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC