logo
العالم

بين العسكرة والتحصين.. دلالات قرار زيادة القوات الدنماركية في غرينلاند

سفينة دنماركية في ميناء نوك بغرينلاندالمصدر: Getty

تطرح خطوة الدنمارك المتمثلة بزيادة وجودها العسكري في غرينلاند وحولها سؤالًا عمّا إذا كان هذا الإجراء يقع ضمن عسكرة للقطب الشمالي، أم مجرد تحصين دفاعي لحماية السيادة؟.

وتأتي الخطوة الدنماركية، التي جاءت بالتعاون مع حلفاء في حلف شمال الأطلسي "ناتو"، ردًا على تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتكررة بالاستيلاء على أكبر جزيرة في العالم.

وقال وزير الدفاع الدنماركي ترويلس لوند بولسن، الأربعاء، إن القوات المسلحة ستنشر "من اليوم" قدرات ووحدات عسكرية في المنطقة القطبية.

أخبار ذات علاقة

جنود ألمان

بدعوة من الدنمارك.. ألمانيا ترسل 13 جندياً إلى غرينلاند

وأكد أن "الأمن في القطب الشمالي ذو أهمية حاسمة للمملكة وحلفائنا في القطب الشمالي"، لافتًا إلى أنه "لا يمكن لأحد التنبؤ بما سيحدث غداً في البيئة الأمنية الحالية".

وستشمل الأنشطة العسكرية حراسة البنية التحتية الحيوية، ودعم السلطات الغرينلاندية، ونشر طائرات مقاتلة، وعمليات بحرية، في خطوة تأتي استمراراً لجهود بدأتها الدنمارك في 2025، إذ شاركت ألمانيا وفرنسا والسويد والنرويج في تدريبات عسكرية على الجزيرة، بحسب وزارة الدفاع الدنماركية.

بين الردع والواقعية

يقول قائد الجيش الدنماركي بيتر بويسن، لصحيفة "ذا أتلانتيك"، إنه "من أجل الحفاظ على السيادة، تحتاج إلى جنود على الأرض"، مضيفًا أن الدنمارك تعمل على تعزيز قدراتها الجوية والإلكترونية، بما في ذلك الأقمار الصناعية والطائرات دون طيار.

من جهتها، ترى ريبيكا بينكوس، الزميلة الأولى في معهد أبحاث السياسة الخارجية، في تصريحات لصحيفة "واشنطن بوست"، أن موقع غرينلاند هو أكبر ميزة لها، حيث تعمل كموقع متقدم لأنظمة الرادار والدفاع الصاروخي الأمريكية منذ الحرب الباردة.

بدوره، اعتبر ميكيل رونجه أوليسن، من المعهد الدنماركي للدراسات الدولية، أن الولايات المتحدة تتمتع بحرية واسعة في غرينلاند لدرجة أنها تستطيع فعل ما تريد تقريباً، في إشارة إلى اتفاقية الدفاع الثنائية لعام 1951 التي تمنح واشنطن صلاحيات عسكرية واسعة.

التزامات مالية ضخمة

لم تكتفِ الدنمارك بالخطوة العسكرية فحسب، بل أعلن الوزير بولسن أن بلاده ستنفق 88 مليار كرونة دنماركية، ما يُعادل 13.8 مليار دولار، على إعادة تسليح غرينلاند، بعد أن تعهدت الدنمارك في شهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي بـ4.2 مليار دولار لتعزيز أمن غرينلاند بسفن دورية كاسرة للجليد وطائرات متطورة دون طيار.

أخبار ذات علاقة

وزير خارجية الدنمارك

الدنمارك: لا توجد سفن أو استثمارات صينية "كبيرة" في غرينلاند

لم تكن الدنمارك وحيدة في مواجهة الضغوط الأمريكية، فقد أكدت السويد وألمانيا وكندا وهولندا إرسال قوات إلى غرينلاند كجزء من عملية متعددة الجنسيات، كما أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن الوحدات العسكرية الفرنسية الأولى في طريقها بالفعل، وستتبعها وحدات أخرى.

حذّر ماكرون من أن محاولة الولايات المتحدة الاستيلاء على غرينلاند ستكون لها عواقب غير مسبوقة، مؤكداً أن فرنسا تراقب الوضع وستتصرف بتضامن كامل مع الدنمارك وسيادتها.

حقيقي أم مبالغة؟

ويكرر ترامب مزاعم حول وجود سفن روسية وصينية قرب غرينلاند، لكن وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن علق على ذلك بالقول: إنه "وفقاً لمعلوماتنا الاستخباراتية، لم نشهد سفينة حربية صينية في غرينلاند منذ عقد تقريباً، لا يوجد تهديد فوري من الصين أو روسيا لا يمكننا التعامل معه".

كما يشكك سكان غرينلاند بتلك المزاعم، إذ يقول لارس فينتنر، مهندس التدفئة المحلي في الجزيرة: "الصينيون الوحيدون الذين أراهم عندما أذهب إلى مطعم الوجبات السريعة"، مضيفاً أنه يذهب للصيد والإبحار بشكل متكرر ولم يرَ قط سفناً روسية أو صينية.

أزمة "الناتو"

تضع أزمة غرينلاند حلف "الناتو" في موقف محرج غير مسبوق، إذ يقول أندرياس ساماراس من كينغز كوليدج لندن: "إذا هدد عضو في الناتو عضواً آخر في الحلف، فهذا لا يسبب مجرد خلاف. إنه يجعل وعد الدفاع المتبادل مشروطاً وسياسياً. سيعني ذلك نهاية الناتو. لا أعتقد أن الناتو يمكن أن يستمر".

كما حذرت رئيسة الوزراء الدنماركية، ميتي فريدريكسن، من أن هجوماً أمريكياً على غرينلاند سيمثل نهاية الحلف، فيما رفض أمين عام "ناتو"، مارك روتي، التعليق على ما إذا كانت أي دولة حليفة ستدعم الولايات المتحدة في حالة الاستيلاء على غرينلاند بالقوة.

أخبار ذات علاقة

القوات الدنماركية خلال مناورة أوروبية مشتركة، غرينلاند.

من الضم إلى الردع.. لماذا عزز "الناتو" قواته في غرينلاند؟

ويأتي هذا فيما كشفت التقارير عن مرسوم ملكي صدر عام 1952 يلزم القوات الدنماركية بالرد العسكري في حالة غزو أراضيها.

وقال توبياس رويد جنسن، المتحدث باسم قيادة الدفاع الدنماركية، إن "الوحدات العسكرية الدنماركية ملزمة بالدفاع عن الأراضي الدنماركية إذا تعرضت لهجوم مسلح، بما في ذلك اتخاذ إجراءات دفاعية فورية إذا لزم الأمر".

لكن عندما سُئل بويسن، قائد الجيش، عما إذا كانت القوات الدنماركية ستقاتل ضد الأمريكيين فعلاً، قال: "هذا أمر سياسي للغاية. وأنا مجرد جندي".

خلاف أساسي

ولم تسفر المحادثات رفيعة المستوى، التي جرت الأربعاء بين وزراء خارجية الدنمارك وغرينلاند ونائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو، عن اختراق.

وقال راسموسن: "لم ننجح في تغيير الموقف الأمريكي. من الواضح أن الرئيس لديه هذه الرغبة في السيطرة على غرينلاند".

لكن اتفق الطرفان على تشكيل مجموعة عمل رفيعة المستوى لاستكشاف طرق معالجة المخاوف الأمنية الأمريكية مع احترام "الخطوط الحمراء" للمملكة الدنماركية.

وفي الختام، يرى مراقبون أن قرار زيادة القوات الدنماركية في غرينلاند بمرتبة محاولة متوازنة بين تحصين السيادة وتجنب التصعيد المباشر مع الولايات المتحدة، وليس عسكرة بالمعنى الهجومي، بل ردع دفاعي يرسل رسالة واضحة مفادها أن "السيادة الدنماركية على غرينلاند غير قابلة للتفاوض، لكن التعاون الأمني ممكن ضمن الأطر القائمة".

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2025 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC