دعا كاتبان أمريكيان إلى تبني نهج "عدم التعاون الجماعي" باعتباره أداة فعالة لمواجهة ما وصفاه بالتحديات التي تواجه الديمقراطية الأمريكية، وذلك بحسب مقال نشرته صحيفة "الغارديان"، تناول تصاعد الاحتجاجات الشعبية الرافضة لسياسات إدارة الرئيس دونالد ترامب.
وأكد مقال الصحيفة البريطانية، أن موجة الحراك الشعبي الأخيرة، خصوصاً في ولاية مينيسوتا، أعادت تسليط الضوء على قدرة التنظيم الشعبي والعصيان المدني على إحداث تأثير سياسي يتجاوز حدود الاحتجاج التقليدي.
شهدت الولايات المتحدة في الفترة الأخيرة تصاعداً في التوتر بعد حوادث عنف طالت مراقبين قانونيين، بالتزامن مع حملات اعتقال استهدفت مهاجرين، ما دفع قطاعات واسعة من المجتمع إلى التعبير عن رفضها لما وصفته بتجاوزات وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية.
واعتبر الكاتبان أن "ردود الفعل الشعبية لم تقتصر على الغضب العاطفي، بل تحولت إلى أشكال من التضامن المنظم والمقاومة التي أبرزت قوة الفعل الجماعي عندما يختار المواطنون الامتناع عن التعاون مع السياسات التي يرفضونها".
وانتقد المقال اعتماد بعض الأصوات السياسية على المؤسسات الرسمية وحدها، مثل الكونغرس والمحاكم، موضحاً أن هذه المؤسسات لم تنجح دائماً في تقديم دفاع حاسم عن الديمقراطية، الأمر الذي جعل المبادرة تنتقل إلى الشارع.
وأشار إلى أن الاحتجاجات التي شهدتها مدن أمريكية عدة، مثل شيكاغو ولوس أنجلوس وواشنطن، عكست اتساع نطاق التعبئة الشعبية، غير أن ما حدث في مينيسوتا رفع مستوى الوعي العام بإمكانية تطبيق العصيان المدني على نطاق مجتمعي واسع.
واستند الكاتبان إلى دراسات في مجال "المقاومة المدنية" تؤكد أن الاحتجاجات الناجحة لا تقوم على العفوية وحدها، بل تحتاج إلى تخطيط استراتيجي وتنظيم طويل الأمد.
وأوضحا أن التجارب التاريخية، سواء في حركات الحقوق المدنية أم النضالات العمالية، أثبتت أن التغيير غالباً ما تحقق عندما تمكن الناس من تعطيل المسار الطبيعي للأمور وإجبار السلطات على الاستجابة لمطالبهم.
ورأى الكاتبان أن إدارة ترامب، خاصة خلال ولايته الثانية، خلقت شعوراً واسعاً لدى بعض الأمريكيين بأن أسس الديمقراطية التقليدية تواجه اختباراً صعباً، سواء من خلال سياسات تمس الخدمات العامة أو الحقوق المدنية أو أوضاع المهاجرين.
وفي هذا السياق، شدد المقال على أهمية إعادة اكتشاف المواطنين لقدرتهم على التأثير الجماعي بدلاً من انتظار حلول تأتي من النخب السياسية أو المؤسسات وحدها.
وسلط المقال الضوء على مفهوم القوة الاجتماعية، الذي يرى أن السلطة تعتمد في جوهرها على تعاون الناس، وبالتالي فإن سحب هذا التعاون يمكن أن يصبح وسيلة ضغط فعالة.
ونقل عن باحثين في الحركات الاجتماعية تأكيدهم أن الاحتجاجات التي تكسر الروتين السياسي المعتاد تُعد من أكثر الأدوات تأثيراً في تحقيق الإصلاحات، لأنها تدفع المجتمع بأكمله إلى إعادة التفكير في مسار الأحداث.
ولم يقتصر الحديث على المظاهرات الكبيرة، بل أشار المقال إلى تنوع وسائل المقاومة المدنية، مثل الإضرابات، والمقاطعات، وحملات العصيان الإداري، والاحتجاجات الفنية والإبداعية. كما أوضح أن تطور التكنولوجيا وابتكار الناشطين أضافا أشكالاً جديدة من العمل الجماعي، ما جعل أدوات المقاومة أكثر تنوعاً وتأثيراً مقارنة بالعقود الماضية.
واختتم الكاتبان تحليلهما بالتأكيد أن الحراك الشعبي لا يتعارض مع العمل السياسي التقليدي، بل يمكن أن يعززه ويخلق مناخاً جديداً يدفع نحو التغيير.
واستشهدا بتحولات حديثة في المزاج العام ونتائج انتخابية أظهرت تراجع بعض المرشحين المقربين من ترامب، معتبرين أن التفاعل بين الشارع وصناديق الاقتراع يمنح مؤشرات على قدرة التنظيم الشعبي على إحداث تحول سياسي تدريجي.
ويخلص المقال إلى أن الديمقراطية لا تُحمى بالمؤسسات فقط، بل تحتاج أيضاً إلى مواطنين نشطين قادرين على تنظيم أنفسهم والدفاع عن حقوقهم، في وقت تتزايد فيه التحديات السياسية والاجتماعية، ما يجعل العصيان المدني وعدم التعاون الجماعي خياراً مطروحاً أمام قطاعات متنامية من المجتمع الأمريكي.