كشفت مصادر استخباراتية أمريكية تفاصيل جديدة عن حالات الاختفاء والوفيات "الغامضة" التي طالت ما لا يقل عن عشرة علماء ومسؤولين أمريكيين، يمتلكون صلاحية الوصول إلى معلومات سرية في المجالات النووية والدفاعية والفضائية.
بدأت هذه الحوادث منتصف عام 2023 في مؤسسات حساسة كمختبر لوس ألاموس الوطني ومختبر الدفع النفاث التابع لناسا ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ما يشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي الأمريكي.
أثارت القضية غضباً شعبياً واسعاً وصل إلى البيت الأبيض، حيث أعلن الرئيس دونالد ترامب إجراء تحقيق حكومي جاد.
وفي ظل صمت مكتب التحقيقات الفيدرالي، يشتبه المحققون في عمليات استخباراتية أجنبية تهدف إلى تعطيل البرامج الأمريكية الحساسة عبر استهداف رأس المال البشري، أو روابط محتملة بتقنيات متقدمة وأجسام طائرة مجهولة.

وكان عضو الكونغرس، إريك بورلسون، وصف هذه الوقائع بأنها قد تحمل بصمات "عمليات استخباراتية أجنبية"، مطالباً بفتح تحقيق فدرالي فوري لحماية الأمن القومي.
وفقاً لما نقل موقع "نتسيف" العبري عن مصادر استخباراتية أمريكية، تعود أبعاد القضية إلى منتصف العام 2023، حين تزايدت حالات اختفاء علماء، يعملون في مؤسسات حسَّاسة مثل مختبر "لوس ألاموس الوطني"، ومختبر "دفع النفاث" التابع لوكالة ناسا، و"معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا"، دون أي أثر، ما حدا بجهات التحقيق إلى تقدير وفاتهم أو اختفائهم في ظروف غامضة.
وتضمّنت بعض ملابسات حالات الاختفاء المفاجئ، ترك ممتلكات شخصية مثل الهواتف والمحافظ، فيما شملت حالات أخرى إطلاق نار بالقرب من منازل المسؤولين.
أعد "نتسيف" قائمة بالمفقودين، مشيراً في البداية إلى أنهم متخصصون رفيعو المستوى، لديهم إمكانية الوصول إلى مواد بالغة الحساسية في المجالين النووي والفضائي الأمريكي.
وجاء في مقدمة القائمة اللواء المتقاعد نيل مكاسلاند، وهو مسؤول سابق رفيع المستوى في "البنتاغون"، وخبير في مجال الاستحواذ على المعدات الفضائية وأبحاثها، واختفى في 27 فبراير/ شباط 2026 من منزله في "نيو مكسيكو"، دون أن يترك أثرًا.
وتلاه في القائمة، نونو لوريرو، وهو عالم فيزيائي ذو شهرة عالمية من معهد "ماساتشوستس" للتكنولوجيا، ومدير مركز "علوم البلازما والاندماج".
وقُتل لوريرو رمياً بالرصاص بالقرب من منزله في "ماساتشوستس" خلال شهر ديسمبر/ كانون الأول العام الماضي 2025.
ويحتل كارل غريلماير المركز الثالث في قائمة الوفيات والاختفاءات الغامضة، وهو عالم فيزياء فلكية من "معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا"، وعمل في مهمات الكشف عن الأجسام القريبة من الأرض لصالح وكالة ناسا.
وقُتل رمياً بالرصاص خارج منزله في كاليفورنيا خلال شهر فبراير/ شباط العام الماضي أيضًا.
وتلته في القائمة ذاتها، مونيكا غاسينتو، وهي مهندسة طيران وفضاء أولى في وكالة ناسا، فضلًا عن كونها خبيرة في سبائك محركات الصواريخ؛ ثم مايكل ديفيد هيكس، وهو باحث علمي في مختبر الدفع النفاث، وعمل على مشاريع مثل مشروع "دارت"، ولا يزال سبب وفاته في يوليو/ تموز 2023 غامضاً.
القائمة أيضًا، العالم ستيفن غارسيا، وهو متعاقد حكومي عمل على تأمين المكونات النووية؛ واختفى أثره في أغسطس/ آب 2025.
في 16 أبريل/ نيسان الجاري 2026، تطرق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للمرة الأولى إلى القضية الشائكة، معلنًا أمام وفد من الصحافيين، أنه "خرج لتوه من اجتماع حول هذا الموضوع"، وأنه "أمر بالغ الخطورة".
وقال ترامب إنه "يأمل أن يكون الأمر مجرد صدفة"، لكنه وعد بأن الإدارة الأمريكية ستُقدّم "إجابة شافية" في غضون أسبوع ونصف الأسبوع حول ما إذا كان هناك رابط بين الحالات.
ورغم عدم نشر الاستنتاجات النهائية بعد، إلا أن التحقيق الذي تجريه الإدارة الأمريكية والوكالات الفيدرالية بقيادة مكتب التحقيقات الفيدرالي، يركز حالياً على محاور رئيسة، في محاولة لفهم ما إذا كانت هذه سلسلة أحداث عشوائية، أم نشاطًا متعمدًا.
وجاء في مقدمة المحاور: التجسس الحديث ونشاط دول في الداخل الأمريكي؛ إذ تبحث أجهزة الاستخبارات الأمريكية في اشتباه ضلوع جهات خارجية معادية بمحاولات تعطيل برامج الدفاع الأمريكية الحيوية من خلال استهداف "رأس مالها البشري" عبر تصفية أو اختطاف علماء يمتلكون معارف فريدة.
وفيما يدور المحور الثاني حول ما إذا كانت هذه العمليات محصورة في اغتيالات سرية، أو محاولات تجنيد أو اختطاف علماء بهدف نقل معرفة نووية وتكنولوجيا الفضاء، يبحث المحور الثالث نمط سلوكي شائع، أو ما يُعرف بـ"الاختفاء الطوعي".
كما يدرس المحققون نمطًا غريبًا تكرر في بعض حالات الاختفاء (مثل حالة الجنرال مكاسلاند والعالم ستيفن غارسيا)، اللذين تركا منزليهما سيرًا على الأقدام، مخلفين وراءهما أغراضًا ضرورية كالهواتف المحمولة، والمحافظ، والمفاتيح، والسيارات.
ويجري البحث أيضًا فيما إذا كان العالمان قد تعرضا لضغوط نفسية غير عادية، أو "تشوش ذهني"، كما ورد في حالة مكاسلاند، ما دفعهما إلى الاختفاء الطوعي، أو إنهاء حياتهما، رغم نفي عائلتيهما ومعارفهما بشدة مثل هذه الادعاءات.
وفي السياق، تشير وكالات الاستخبارات، ووسائل إعلام أمريكية مثل: "فوكس نيوز"، و"نيوزنيشن" إلى تكثيف التحقيقات حول ما إذا كان القاسم المشترك بين المختفين هو الوصول إلى معلومات سرية حول الأجسام الطائرة المجهولة، أو تطوير تقنيات يُفترض أنها "خارجية".
ويبحث المحققون كذلك فرضية أخرى، تدور حول إمكانية وجود ثغرة في النظام الأمني لمنشآت مثل مختبر "لوس ألاموس" أو مركز ناسا، بما يسمح لأطراف خارجية بمراقبة العلماء خارج ساعات العمل.
وفي قضية عالم الفيزياء الفلكية غريلماير، تبيَّن وجود مشتبه به قام بمضايقته والتسلل إلى مقر عمله خلال الأسابيع التي سبقت جريمة القتل، مما أثار تساؤلات حول مستوى الحماية المتاحة للأشخاص في مناصبهم.
وألمح ترامب إلى هذا الربط، قائلًا: "في حال اكتشاف صلة بين القضيتين، فسيكون ذلك بمثابة قضية أمن قومي غير مسبوقة".