logo
العالم

رغم إطلاق 400 سجين سياسي.. قانون العفو العام يتعثر في البرلمان الفنزويلي

أقارب سجناء سياسيين في فنزويلا يتضامنون للإفراج عن ذويهمالمصدر: (أ ف ب)

في الوقت الذي كانت فيه الأنظار متجهة نحو البرلمان الفنزويلي لإقرار قانون العفو العام في البلاد، اختار الأخير إرجاء البتّ في الموضوع إلى موعد لاحق.

وتُشير مصادر مطلعة من العاصمة الفنزويلية كاراكاس إلى أنّ عراقيل عديدة وتعقيدات كثيرة باتت تعرقل إقرار قانون العفو العام، ما يهدد بـ"إلغاء" المسار برمّته.

وعلى الرغم من المؤشرات الإيجابية التي أحاطت بهذا الملف، انطلاقًا من سنّ مشروع القانون من قبل الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز والدفع به إلى البرلمان لإقراره بشكل نهائي، مرورًا بإطلاق سراح المئات من السجناء السياسيين (400 سجين في بعض الإحصائيات)، وليس انتهاءً بمرور مسودة القانون بالقراءة الأولى، إلا أنّ المصادقة النهائية لم ترَ النور بعد.

إرجاء المصادقة على القانون

وأرجأ البرلمان الفنزويلي، برئاسة خورخي رودريغيز – شقيق ديلسي رودريغيز – اعتماد قانون العفو العام بسبب عدم وجود إجماع عليه.

ونقلت مصادر إعلامية فنزويلية عن خورخي أريازا، رئيس اللجنة المسؤولة عن صياغة القانون، قوله: "بُغية الحفاظ على نظام المصالحة والتوافق الضروري، اتفقنا على تأجيل مناقشة مشروع القانون لتجنب الوقوع في مناقشات غير ضرورية، وللتمكن أيضًا من الحصول على الموافقة في الدورة المقبلة للبرلمان".

وانخرطت حكومة ديلسي رودريغيز في مسار "المرحلة الانتقالية" بشكل واقعي وإجرائي، حيث وعدت بتنفيذ أربع قرارات رئيسية كبرى، وهي: تنظيم الانتخابات العامة، وإطلاق سراح المساجين السياسيين، وسنّ العفو العام، وإطلاق الحوار السياسي العام.

وعوّلت رودريغيز كثيرًا على ملف "العفو العام" لتحريك الملفات الأخرى، ولإنجاح المرحلة الانتقالية بشكل عام.

ووفقًا للخبراء والمتخصصين المتابعين للشأن الفنزويلي، يبدو أنّ رهان رودريغيز لم يكن في محلّه، إذ ظهرت تعقيدات كثيرة في هذا الملف الحرج، يبدو أنّها قد تعصف بالمسار الانتقالي بأكمله ما لم تستدرك رودريغيز الأمر.

4 تعقيدات كبرى

وحسب المراقبين، فإنّ أربع تعقيدات كبرى ظهرت على سطح أحداث النقاش العام حول العفو العام.

أما العقدة الأولى فتتمثل فيما بات يُعرف بـ"ملف الرئيس نيكولاس مادورو"، حيث يرى بعض أنصاره إمكانية مقايضة "إخلاء سبيل المعارضة الفنزويلية المؤيدة لواشنطن" بـ"الإفراج عن مادورو وعقيلته".

ويقود هذا المسار المدعي العام طارق وليام صعب، والذي صرّح في وقت سابق قائلًا: "نحن نستحق السلام، ومن الممكن أن يُناقش كل شيء بالحوار، وقانون العفو يجب أن تقابله بادرة من الولايات المتحدة لإطلاق سراح الرئيس مادورو وزوجته المحتجزين في نيويورك في انتظار محاكمتهما بتهم تتعلق بتجارة المخدرات".

أما العقدة الثانية فتتجسد في مصير المعارضة الفنزويلية البارزة ماريا كورينا ماتشادو – الحائزة على جائزة نوبل لسنة 2025 – وإمكانية عودتها إلى فنزويلا للمشاركة في الانتخابات الرئاسية المقررة هذا العام.

ففيما ترى واشنطن أنّ من حق ماتشادو أن تحظى بعفو عام عن جملة الاتهامات الموجهة إليها، فإن أقطاب النظام الفنزويلي القائم، وعلى رأسهم ديلسي رودريغيز، يرفضون هذا الأمر، مؤكدين أنّ عودتها إلى فنزويلا مرتبطة بمثولها أمام القضاء الفنزويلي لمحاكمتها في قضايا خطيرة وكبيرة.

وصرّحت الرئيسة الفنزويلية بالنيابة، في مقابلة مع شبكة "إن بي سي" الأمريكية: "عودة ماتشادو ستستلزم خضوعها للمساءلة القانونية داخل البلاد، وهي مطالبة بتوضيح أسباب دعوتها إلى تدخل عسكري أمريكي في البلاد وإلى فرض عقوبات قاسية على فنزويلا، وكذلك موقفها من العملية العسكرية الأمريكية في الثالث من يناير/كانون الماضي".

ووفقًا للملاحظين، فإنّ العقدة الثالثة تتمثل في الاختلاف الكبير والواضح في مستوى تعريف العفو العام بين النظام الفنزويلي والمعارضة.

وترى المعارضة أنّ العفو لا بد أن يكون شاملًا وكاملًا عن كافة "الجرائم السياسية المنسوبة إليها"، مع إمكانية تقديم تعويضات مادية واعتبارية عن سنوات القهر وعن تجربة التعذيب القاسية التي مرّوا بها. بينما تعتبر الحكومة أنّ على المنتفعين بالعفو العام أن يطلبوا الاعتذار من النظام وأن يلتمسوا الحصول على العفو.

وتنسب مصادر إعلامية فنزويلية محلية إلى النائب المؤيد للرئيس نيكولاس مادورو، إيريس فاريلا، قوله: "إنّ على أي سجين يريد الاستفادة من العفو أن يمثل أمام المحكمة ويقرّ رسميًا بالجرائم التي اتُّهم بها".

في المقابل، ترى المعارضة أنّ هذا المطلب "فخّ أخلاقي"، فالمعتقلون سياسيون مدنيون وليسوا مجرمين، والاعتراف بجرم غير مقترف هو شرعنة لمنظومة تكييف الجرائم في فنزويلا وشرعنة أيضًا لحكومة مادورو التي لفّقت لهم هذه التهم.

أما العقدة الرابعة والأخيرة، وهي الأخطر وفق توصيف الخبراء، فتتمثل في مصفوفة "الجرائم" التي يشملها والتي لا يشملها قانون "العفو العام".

ففي الجرائم التي تشملها مسودة العفو العام، على غرار (الحض على الكراهية والتآمر لزعزعة الاستقرار...)، فإنّ ثمة شقًا واسعًا من أنصار الرئيس نيكولاس مادورو يرى أنّ صياغة العقوبات جاءت بغرض العفو عن المعارضة وإصدار صك براءة لصالحها في مقابل تجريم النظام وأعوانه، ولم تأتِ قصد تجاوز جروح الماضي وفتح صفحة بيضاء جديدة في تاريخ البلاد.

وتزداد قناعة هذا الشق رسوخًا مع تصفح الجرائم التي لا تشملها منظومة "العفو العام"، حيث تبرز الجرائم ضد الإنسانية والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والقتل المباشر والاتجار الدولي بالمخدرات واختلاس الأموال العامة.

فيتو عسكري أمني

وهي جرائم تستوعب كافة سياسات المؤسسة الأمنية والعسكرية والتنفيذية خلال مرحلة حكم الرئيسين هوغو تشافيز ونيكولاس مادورو.

إذ تكشف مصادر إعلامية فنزويلية مطلعة أنّ فيتو واضحًا وصريحًا رفعته المنظومة الأمنية والعسكرية ضد مسودة العفو العام، مؤكدة أنّ استبعادها من العفو العام هو بمثابة تجريم لها.

وعلى الرغم من تأكيد رودريغيز أنّ العفو العام ينسجم مع المعايير الدولية، وأنّ باقي الجرائم محلها مسارات العدالة الانتقالية، وهي مسارات تنطلق من الاعتراف ثم التعويض ثم المصالحة، إلا أنّ المؤسستين الأمنية والعسكرية تريدان دمج المسارين.

حيال كل ما سبق، يحذر المتابعون للشأن الفنزويلي من مغبة هذا المأزق، إذ من شأنه، في حال عدم الاستدراك والبحث عن بدائل حقيقية وحلول واقعية، أن يعصف بكامل المسار الانتقالي في البلاد.

تململ أمريكي

في المقابل، تؤكد مصادر إعلامية أمريكية أنّ واشنطن لا تنظر بعين الرضا إلى أداء الحكومة المؤقتة، حيث تؤكد التقديرات الأمريكية أنّ حكومة "رودريغيز" لم تُحدث أي تغيير جوهري، سواء داخليًا أو خارجيًا، ولا تمثل قطيعة مع الرئيس نيكولاس مادورو.

بل إنها لا تزال تعتبر مادورو رئيسًا شرعيًا للبلاد، وتصف المرحلة القائمة بالمرحلة الانتقالية التي ينص عليها الدستور الفنزويلي.

وباستثناء الملف الطاقي ممثلًا في النفط، والذي يشهد تغييرًا ملحوظًا يمكن وصفه بالراديكالي، فإنّ كاراكاس لا تزال محافظة على علاقاتها الاستراتيجية مع موسكو وبكين، ولا تزال تربطها علاقات قوية بالأنظمة اليسارية في المنطقة اللاتينية، كما أنّ سياساتها حيال المعارضة لم تعرف تطورًا كميًا أو كيفيًا.

وتشير التقديرات الأمريكية إلى أنّ الأمر يتجاوز التوازنات السياسية الحذرة والإكراهات السياسية التي تعتمدها رودريغيز بين "ضرر الخارج" و"ضرورات الداخل"، إذ إنها لا تزال تحافظ بشكل ذكي على مصالح حلفاء الأمس (من دول ومجموعات وشخصيات نافذة)، مع سعي إلى عدم استثارة الفاعل الأمريكي. 

أخبار ذات علاقة

رئيس البرلمان الفنزويلي خورخي رودريغيز

رئيس البرلمان الفنزويلي يتعهد الإسراع بالإفراج عن السجناء السياسيين (فيديو)

وفي ظل انعدام وجود بديل سياسي ترضى عنه واشنطن في كاراكاس، ستبقى واشنطن مركزة على الملف الطاقي إلى حين تنظيم الانتخابات العامة القادمة، وهو الاستحقاق الذي تنظر إليه واشنطن لتغيير وجه البلاد ووجهتها أيضًا بوجوه سياسية أخرى.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC