logo
العالم

من غرينلاند إلى إيران.. تحالف باريس وواشنطن يواجه "أقسى اختبار"

الرئيسان الفرنسي والأمريكيالمصدر: غيتي

يرى 42% من الفرنسيين أن الولايات المتحدة اليوم دولة عدوة لبلادهم. ويختزل الرقم الصادم الذي كشف عنه استطلاع "إيفوب" في 20 يناير 2026، تحولاً عميقاً في أعتق تحالفات التاريخ الحديث. 

فمنذ أن أرست سفن الأميرال دو غراس معركة يوركتاون العام 1781 ليُولد مفهوم "أول حليف للولايات المتحدة"، مرت العلاقة الفرنسية-الأمريكية بحروب ومصالحات وخلافات عميقة. 

أخبار ذات صلة

دونالد ترامب وإيمانويل ماكرون

ترامب وماكرون.. المعسكر الغربي يهتز وسط تصاعد التوترات

لكن صحيفة "كورييه إنترناشيونال" الفرنسية ترى أن الحرب على إيران ونزاع غرينلاند وضعا هذا التحالف أمام اختباره الأشد قسوة.

والسؤال اليوم، كما يطرحه كل من معهد "كارنيغي" و"سيبا" للأبحاث: هل تحوّلت العلاقة من تحالف يقوم على الهيمنة الأمريكية إلى شراكة قائمة على الندية الأوروبية؟.

250 عاماً من التحالف والمنافسة

تستحضر الصحيفة الفرنسية في قراءة تاريخية، جوهر هذه العلاقة المتناقضة: "الخمسة والسبعون عاماً من علاقات فرنسا والولايات المتحدة هي قصة حب وتنافس طويلة - قصة فريدة بين ديمقراطيتين".

فبعد الاستقلال الأمريكي مباشرة العام 1776، "كانت فرنسا أول دولة تعترف بالجمهورية الفتية"، وكان تدخل أسطول الأميرال دو غراس في يوركتاون "حاسماً" لدرجة جعلت "كل الرؤساء الأمريكيين من فرانكلين روزفلت إلى جو بايدن" يرددون لقب" أول حليف".

أخبار ذات صلة

سفينة الإمداد "لايم باي"

"انقلاب أوروبي".. ستارمر وماكرون يقطعان الطريق على ترامب في هرمز

لكن التاريخ يحفل بلحظات التوتر، تستذكر صحيفة "لا ريبوبليكا" مشهداً نادرا: "بعد الاستسلام الألماني، إذ أراد شارل ديغول ضم وادي أوستا، أصدر دوايت أيزنهاور أوامر لوحدة أمريكية للتوجه إليه بسرعة لضمان بقائه في إيطاليا". 

ومن ذلك الخلاف الصغير إلى الانسحاب الفرنسي من القيادة العسكرية المتكاملة للناتو العام 1966، "بدافع إثبات السيادة الإستراتيجية"، رسّخ ديغول مبدأ فرنسياً راسخاً: لا تبعية، حتى لأوثق الحلفاء.

الفرنسيون يكسرون حدة المفاجأة

على خلفية الحرب الإيرانية، يرصد سفن بيسكوب، مدير برنامج "أوروبا في العالم" بمعهد إيغمونت الملكي للعلاقات الدولية، تحولاً نوعياً في الموقف الفرنسي والأوروبي معا: "في ظل الحرب الحالية، على الجانب الأوروبي، يوجد قدر أقل من الصدمة مما شعر به الناس تجاه تصريحات الرئيس دونالد ترامب العدوانية السابقة، وقدر أكبر من العزم على عدم الخضوع للترهيب، بل اتباع ما قررنا أنه المسار الصحيح لنا".

ويقدم معهد "كارنيغي" قراءة مفارِقة لافتة: "إذا كان هدف ترامب نقل عبء الأمن الجماعي الأوروبي بصورة دائمة إلى الأوروبيين، وليس مجرد إشعال النار في التحالف ومنح الصين وروسيا انتصاراً حراً، فإن ماكرون يجب أن يكون أفضل أصدقائه". 

وتوثّق "فورين بوليسي" الدليل على ذلك، وتقول: "فرنسا تتولّى قيادة تحالف لتأمين مضيق هرمز، ونشرت مجموعة حاملة طائرات وحاملتَي مروحيات و8 سفن حربية في شرق المتوسط، مشترطةً أن تؤدي دوراً دفاعياً فقط ضمن إطار الأمم المتحدة وبموافقة إيرانية".

 لكن "لا ريبوبليكا" تذكّر بسياق أشعل فتيل الأزمة الحالية بين البلدين: "ماكرون أغضب ترامب حول مسألة الدولة الفلسطينية، إذ أطلق الإليزيه حملة للاعتراف بـ'فلسطين مستقلة'، بما أفضى إلى تعزيز موقف حماس وإفشال اتفاق مبعوثه ستيف ويتكوف. ولهذا، حين وُقِّع 'مشروع ترامب لغزة'، علم الإليزيه بالخبر من وسائل الإعلام". 

أخبار ذات صلة

ترامب وماكرون

بين ترامب وماكرون.. "رد ساخر" فضحته لغة الجسد

العراق 2003 وإيران 2026.. تشابه لافت

تتوقف "كوريه إنترناسيونال" عند المقارنة التاريخية: ففي 2003، "كان جاك شيراك قد دعم الولايات المتحدة بعد أحداث 11 سبتمبر، قبل أن يقود جبهة معارضة التدخل ضد العراق".

ودافع وزير الخارجية آنذاك دومينيك دو فيلبان أمام مجلس الأمن بـ"مواجهة لامعة" مع كولن باول. 

والآن تتكرر الوقائع بصيغة مختلفة: ترامب يستشهد بإيران بدل العراق، وماكرون يرفض "التحرير القسري" لهرمز ويصفه بـ"غير الواقعي".

الاستخبارات.. الرابط الأكثر صمودا في الأزمات

يرصد خبراء "ذا كونفرسيشن" نمطاً ثابتاً تاريخياً: "في مطلع الألفية الثانية، استمر التبادل بين الاستخبارات الفرنسية DGSE والـ CIA الأمريكية رغم الخلاف حول حرب العراق. وبعد بريكست، لم تُفضِ المفارقة البريطانية-الأوروبية إلى أي انقطاع كبير في التعاون الاستخباراتي".

واليوم، الصورة تتطور بدلاً من أن تنهار، "أجهزة الاستخبارات الأوروبية ضاعفت تعاونها فيما بينها، مع طرح إمكانية إنشاء Five Eyes أوروبية. وبعضها طوّر وحدات خاصة لاستيعاب تحولات القرار الأمريكي، بتأثيرات ملموسة: توسيع الوحدة المعنية بالولايات المتحدة داخل DGSE الفرنسية".

أخبار ذات صلة

ماكرون خلال زيارته إلى كوريا الجنوبية

ماكرون: ترامب أفرغ الناتو من مضمونه

الركيزة الأوروبية في الناتو.. فكرة ماكرون تجد وقتها

يرى مركز "سيبا" أن أفكار ماكرون حول "ركيزة أوروبية في الناتو" التي "لم تلقَ قبولاً واسعاً حين طرحها العام 2017، تبدو، اليوم، ملائمة".

ويُعزز المجلس الأطلسي هذه الرؤية، قائلاً: "أوروبا القوية والسيادية القادرة على مقاومة تأثيرات الزعزعة والتهديدات الهجينة يمكن أن تكون ميزة للولايات المتحدة في بيئة التنافس بين القوى الكبرى".

وتُحذّر كوري شايك، مديرة دراسات السياسة الخارجية والدفاع في معهد "أمريكان إنتربرايز إنستيتيوت": "هذا ما يعجز الرئيس ترامب عن فهمه في تحالف الناتو... إنه ليس صفقة تجارية. الدول تُقبل على تنازلات لأنها تتوقع تعاوناً مستقبلياً. الأشياء تصبح أكثر تكلفة وأصعب إذا لم يكن لديك أصدقاء يساعدونك".

متى يتحول الحليف إلى "عدو"؟

يكشف استطلاع "إيفوب" عن عمق التحول في الرأي العام الفرنسي: "42% من الفرنسيين يرون الولايات المتحدة، اليوم، دولة عدوة، مقابل 30% في أبريل 2025"، فيما يرى "24% فقط أنها دولة حليفة".

وتحتل أمريكا المرتبة الخامسة في قائمة التهديدات العسكرية المحتملة لفرنسا، بعد روسيا (80%)، وكوريا الشمالية (68%)، وإيران (67%) والصين (58%).

والأكثر دلالةً: في سيناريو ضم غرينلاند، "65% من الفرنسيين يؤيدون مقاطعة المنتجات الأمريكية، و64% تعليق شراء المعدات العسكرية الأمريكية، و41% يؤيدون تدخلاً عسكرياً فرنسياً-أوروبياً".

ما يقوله المجلس الأطلسي يبقى التوصيف الأدق: "تحالف عمره قرنان ونصف لن ينكسر بتغريدة أو بحرب لم يُستشر فيها الحلفاء، لكنه يتحول بصمت، من تحالف قائم على الهيمنة الأمريكية إلى شراكة قائمة على الندية الأوروبية".

حرب إيران لم تفعل سوى أنها سرّعت تحولاً كان آتياً لا محالة، فرنسا ومعها أوروبا، التي تعيد تسليح نفسها، وتشكّل رأيها العام باتجاه الاستقلالية، لن تعود إلى نموذج "التابع الأطلسي". 

أخبار ذات صلة

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون

سخر منها ترامب فارتفعت قيمتها.. كم يبلغ سعر نظارة ماكرون الشمسية؟

 

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC