logo
العالم

وجه جديد للتطرف.. كيف تلطّف النساء "خشونة" اليمين الأوروبي؟

مظاهرة في باريس ضد العنصرية واليمين المتطرفالمصدر: ا ف ب

يبتكر اليمين الأوروبي المتطرف، على الدوام، أساليب جديدة من أجل رفع رصيدها السياسي الذي بلغ، فعلياً، مستويات غير مسبوقة، لعل آخرها توظيف نعومة المرأة في المعارك السياسية الخشنة.

ورغم أن هذا التيار يُنظر إليه غالباً كتكوين سياسي ذكوري، يركز في أدبياته على معاداة الهجرة والتشبث بالهوية القومية، غير أن السنوات الأخيرة شهدت ظهور شبكة من النساء داخل التيار تلعب أدواراً مهمة في العمل الدعائي والنشاط الانتخابي.

وكشف تقرير استقصائي ألماني، نشره موقع "دويتشه فيله" مقاطع منه، عن الخيوط التي تنسجها شبكات نساء اليمين المتطرف عبر أوروبا، بأساليب تمزج بين نعومة الشكل وصرامة الخطاب. 

أخبار ذات علاقة

بارديلا (يمين) ورئيس حزب الجمهوريين إريك سيوتي

معركة نيس الكبرى.. اليمين المتطرف يغزو عاصمة "الريفيرا" الفرنسية

ويقول خبراء إن الاعتماد على هذا المزج الفريد بين الصورة النسائية اللطيفة والخطاب السياسي القاسي، لم يعد ظاهرة هامشية، بل بات يمثل نمطاً سياسياً منظماً لتلطيف صورة اليمين المتطرف، التي كثيراً ما تتعرض للانتقاد والتوبيخ.

منصات رقمية

ولا تعتمد هذه الشبكات النسائية على مواقع ومنابر "نخبوية"، بل على أدوات أكثر حيوية وجذباً، مثل وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية كـ"إنستغرام" و"تيكتوك" لنشر محتوى بسيط يخاطب شرائح واسعة عن الجمال والموضة والتنحيف والتجارب الحياتية النسائية.

ويلاحظ الخبراء أن هذا المحتوى الترفيهي ينطوي على رسائل سياسية، واضحة حيناً و"مشفرة" أحياناً أخرى، عن الهجرة والهوية وضرورة الحرص على الثقافة والقيم الأوروبية التي باتت، من منظور اليمين، تتعرض للاهتزاز أمام موجات الهجرات التي تدفقت على أوروبا في السنوات الأخيرة.

ويشدد الخبراء على أن هذا الانتقال من الخطاب الحاد والصدامي إلى صوغ سرديات تمرر عبر الجنس اللطيف يعد من التكتيكات التي اجترحها اليمين الأوروبي لاستقطاب فئات جديدة، خاصة النساء الشابات.

ووفقاً للتقرير الاستقصائي، فإن أحد أبرز الأمثلة على هذا التكتيك هو شبكة "لوكريتا (Lukreta) على "إنستغرام" في ألمانيا، التي تظهر للمتابعين كحيز رقمي يهتم بمشاغل الحياة اليومية والمظهر الخارجي والمكياج، لكنها تتبنى أهدافاً سياسية تتماهى مع أجندات اليمين المتطرف، خصوصاً في موضوع الهجرة والدعوات لترحيل اللاجئين.

أخبار ذات علاقة

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون

تحسبا لفوز اليمين بالانتخابات.. ماكرون يعزز الدولة بـ"ضوابط احترازية"

ويتابع هذه الشبكة عشرات الآلاف من المستخدمين، وتعمل بشكل غير مباشر في خدمة حزب "البديل من أجل ألمانيا"، بحسب التقرير الذي يوضح أن إحدى مؤسساتها تعمل كمساعدة لأحد نواب الحزب في البرلمان الأوروبي، ما يعكس علاقة وثيقة بين هذه الشبكات والأحزاب السياسية اليمينية المتطرفة.

"العنف المستورد"

لا تقتصر الظاهرة على ألمانيا بل تمتد لتشمل دولاً أوربية أخرى، مثل فرنسا حيث ظهرت، على سبيل المثال، مجموعة (Némésis) التي تنشط كذلك على "إنستغرام" وغيرها من المنصات وتسوّق نفسها كحركة نسوية وتستخدم خطاب النساء، كأداة لشرعنة مواقفها المعادية للمهاجرين والأقليات، ومناهضة "العنف الموجّه ضد النساء من قبل المهاجرين".

لكن الملاحظ في مسألة العنف، كما يرى خبراء، أن المجموعة تركز على ما تسميه "العنف المستورد"، أي ربط جرائم العنف الجنسي بالمهاجرين فقط، وإغفال الوقائع المماثلة حين يكون المتورط غير مهاجر، ما يعد تحليلاً مختزلاً يخدم أغراضاً سياسية.

ويعد هذا المثال دليلاً عن كيف أن اليمين المتطرف يحوّل خطاب حماية المرأة إلى أداة تعبئة سياسية تستغل مشاعر القلق لديهن، وهو ما تنطبق عليه مقولة "حق يراد به باطل".

وترى الباحثة في التطرف اليميني يوليانه لانغ، في هذا الطرح، استراتيجية يمينية متطرفة واضحة، إذ يجري تناول العنف الجنسي فقط عندما يكون الجناة من أصول مهاجرة، بينما يتم تجاهل السياقات الأخرى، وبهذا يتحول خطاب حماية النساء إلى أداة تعبئة سياسية.

أخبار ذات علاقة

الشرطة الألمانية

ألمانيا تعلن حصيلة المهاجرين المرحلين إلى المغرب العربي في 2025

ومن جانبها، تقول الخبيرة كيرا عيادي من مؤسسة "أماديون أنطونيو"، إن هذه الشبكات مترابطة دولياً بقوة وتعتمد خطاب "الأخوة" النسوية لتوحيد أجندتها السياسية، بحسب "دويتشه فيله".

وتعرف هذه السياسة، المازجة بين ليونة الحديث النسائي وسطوة المضمون السياسي، في الدراسات الأكاديمية باسم "فيمو ناشيوناليزم" (femonationalism)، وهو مصطلح يشير إلى استخدام حقوق النساء في خدمة أجندات قومية أو يمينية متطرفة، بدلاً من الدفاع عن حقوقهن وطموحاتهن على نحو منزّه عن أي غرض آخر.

ويوضح الخبراء أن ما سهّل المهمة أمام اليمين الأوروبي هو العنصر الرقمي الذي يلعب دوراً مهماً في نشر وتأثير هذه الشبكات؛ فبفضل وسائل التواصل وتطبيقات الفيديو القصير يمكن لهذه الشبكات أن تنشر محتوى يومياً لجمهور واسع، وتخلق تفاعلاً ونقاشاً حول مواضيع تبدو هامشية ومسلية لكنها مغلفة بالبعد السياسي.

وفي موازاة هذا الصعود النسوي اليميني، تظهر ردود فعل من مناهضي اليمين المتطرف ومنظمات حقوقية تحذر من تحريف خطاب حقوق النساء لخدمة أهداف قومية ضيقة ومعادية للتعددية، معتبرة هذا النهج تهديدا لقيم القارة في التعايش والتسامح والتنوع الاجتماعي.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC