كشف تقرير حديث أن إغلاق الإنترنت داخل إيران لم يؤدِّ إلى إخماد موجة الاحتجاجات بقدر ما فتح جبهة جديدة أكثر تعقيدًا وخطورة: حرب رقمية على الحقيقة نفسها.
فمع توقف تدفق المعلومات الموثوقة من الداخل، تحولت منصات التواصل الاجتماعي خارج البلاد، إلى ساحة مفتوحة تتزاحم فيها الروايات المتناقضة، تقودها حسابات غير حقيقية، و"بوتات" وصور وفيديوهات مضللة أو مولّدة بالذكاء الاصطناعي.
وبحسب "نيويورك تايمز"، فإن الانقطاع الرقمي خلق فراغًا معلوماتيًا سرعان ما امتلأ بحملات دعائية منظمة، بعضها يسعى إلى دعم المعارضة وتصويرها كبديل جاهز، وبعضها الآخر يكرر سردية طهران بأن ما يجري ماهو إلَّا مؤامرة خارجية تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل، وهي رواية عززتها أيضًا وسائل إعلام روسية، وبين هاتين الضفتين، لم تنتصر رواية بعينها، بل ساد التشويش والارتباك.
ورصد خبراء في تتبع التضليل الرقمي، نشاطًا مكثفًا لحسابات غير أصيلة على منصات مثل "إكس" وإنستغرام، نشرت محتوى قديمًا أُعيد تدويره على أنه جديد، أو مواد بصرية ثبت أنها مزيفة أو مولّدة آليًا، وهذه المواد لم تكن تهدف إلى التأثير في الرأي العام الدولي فحسب، بل عكست أيضًا انقسامات حادة داخل الجاليات الإيرانية نفسها حول من يمثل الاحتجاجات ومن يملك حق التحدث باسمها.
وفي ظل غياب صورة واضحة من الداخل الإيراني، تحولت الاحتجاجات إلى معركة سرديات تُخاض في الخارج أكثر مما تُوثَّق في الداخل؛ فالإغلاق الرقمي لم يمنع التدخلات الإعلامية، بل أعاد توجيهها نحو جمهور عالمي، حيث تصبح القدرة على الانتشار أهم من دقة المعلومة.
والمفارقة أن سلاح قطع الإنترنت ارتد جزئيًا على طهران نفسها؛ إذ أدى إلى تعطيل بعض عمليات التأثير التي كانت تعتمد على الفضاء الرقمي، لكنه في الوقت ذاته حرم الإيرانيين من إيصال روايتهم المباشرة، تاركًا المجال مفتوحًا لقوى أخرى لملء المشهد بما يخدم أجنداتها.
ومع بقاء القنوات الفضائية كنافذة شبه وحيدة، من المتوقع ألَّا يكون الصراع حكرًا على الشارع فحسب، بل على من يسيطر على الرواية حين تُحجب الأصوات الأصلية؛ ما يحول الاحتجاجات من حدث داخلي إلى اختبار عالمي لمدى هشاشة الحقيقة في زمن الانقطاعات الرقمية.