تتحرك أوروبا بسرعة نحو منطقة الخليج، في محاولة لإعادة صياغة مقاربتها لأمن الطاقة، مع تصاعد القلق من هشاشة مضيق هرمز الذي تحوّل من ممر حيوي إلى نقطة اختناق استراتيجية تؤثر مباشرة في تسعير الأسواق العالمية، في ظل استمرار عبور نحو خُمس تجارة النفط والغاز عبره، بحسب مجلة "فورين بوليسي".
وتشير المجلة إلى أن هذا التحرك تزامن مع زيارات مكثفة لقادة أوروبيين إلى دول الخليج عقب إعلان وقف إطلاق النار، في مسعى لتنسيق رؤية مشتركة حول تأمين الملاحة، وسط مخاوف من أن تكون الهدنة مؤقتة وغير قابلة للاستمرار. إلا أن هذا الزخم السياسي لا يزال يفتقر إلى ترجمة عملية، إذ اكتفت البيانات المشتركة بالتأكيد على حرية الملاحة دون تحديد آليات تنفيذ أو التزامات عسكرية واضحة، ما يعكس فجوة تقليدية بين الطموح السياسي والقدرة العملياتية الأوروبية.
في المقابل، تبرز معضلة أساسية تتمثل في دور إيران، إذ ترى التقديرات أن أي ترتيبات أمنية لا تشملها ستظل محدودة الفعالية، نظراً لسيطرتها الجغرافية وتأثيرها المباشر على توازنات الميدان. وتدفع هذه المعادلة بعض العواصم الأوروبية نحو التفكير في آليات "خفض اشتباك" أو تنسيق غير مباشر مع طهران، رغم محدودية نفوذها في مسار التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران.
أما الخيار العسكري، فيبقى مطروحاً نظرياً لكنه محفوف بتعقيدات كبيرة، إذ يعني عملياً انخراط أوروبا كطرف مباشر في النزاع عبر مرافقة السفن أو نشر قوات بحرية في بيئة عالية المخاطر، وهو سيناريو لا يحظى بإجماع داخل الاتحاد الأوروبي. كما تحذر المجلة من أن الرهان على الحصار البحري أو الإجراءات الأحادية قد يؤدي إلى نتائج عكسية، عبر تعقيد المشهد ومنح إيران مزيداً من أوراق الضغط الجيوسياسي.
وتنقل "فورين بوليسي" عن تصريحات لترامب وصف فيها إعادة فتح المضيق بأنها "مناورة عسكرية بسيطة"، وهو توصيف تعتبره الأوساط الأوروبية تبسيطاً مخلّاً، في ظل ما تمتلكه إيران من أفضلية جغرافية وقدرات عسكرية تجعل أي تدخل خارجي مكلفاً وغير مضمون النتائج.
في هذا السياق، تواجه أوروبا قيوداً تتجاوز الإرادة السياسية، لتشمل محدودية الموارد العسكرية في ظل التزامات متزايدة داخل القارة، خصوصاً مع استمرار التوتر مع روسيا. فبريطانيا تعاني ضغوطاً على أسطولها البحري، فيما تخشى ألمانيا من أن يؤدي تحويل أصولها إلى الخليج إلى إضعاف حضورها في بحر البلطيق، حيث تتصاعد المخاوف من التحركات الروسية.
كما يثير أي انتشار عسكري محتمل في المضيق أسئلة معقدة بشأن قواعد الاشتباك والتفويض القانوني، تتراوح بين مهام دفاعية لحماية السفن وخيارات هجومية قد تشمل استهداف منصات إطلاق الصواريخ، وهي مسائل لا تزال دون حسم.
في المقابل، تقود فرنسا جهوداً أوروبية لتشكيل إطار دولي لتأمين الملاحة، مستفيدة من خبرتها في العمليات متعددة الجنسيات، مع مؤشرات على نشر أصول عسكرية في شرق المتوسط. غير أن باريس تحرص على إبقاء هذا الدور ضمن مقاربة دفاعية، مع التشديد على ضرورة وجود غطاء قانوني دولي، ويفضل أن يكون عبر الأمم المتحدة، إلى جانب تأمين قبول إقليمي يشمل إيران لتفادي التصعيد.
كما تعمل باريس على توسيع نطاق هذا التحالف ليضم قوى آسيوية مثل الهند واليابان وكوريا الجنوبية، في محاولة لتحويل المبادرة إلى إطار دولي أوسع يعكس اعتماد هذه الدول على إمدادات الطاقة عبر المضيق.
وفي تحول لافت، تتجه المقاربة الأوروبية تدريجياً من فكرة "تأمين" المضيق عسكرياً إلى إدارة المخاطر المرتبطة به، عبر أدوات أقل تصعيداً مثل تعزيز تبادل المعلومات البحرية وبناء آليات تنسيق إقليمي. ويعكس هذا التحول إدراكاً متزايداً بأن السيطرة الكاملة على الممرات البحرية لم تعد ممكنة في بيئة دولية معقدة، وأن الأولوية باتت لاحتواء التصعيد لا منعه بالكامل.
ويرتبط هذا الحذر أيضاً بتجارب سابقة في الشرق الأوسط، لا تزال تداعياتها حاضرة في الذاكرة السياسية الأوروبية، خصوصاً حرب العراق، ما يدفع الحكومات إلى توخي الحذر إزاء أي انخراط عسكري جديد دون وضوح في الأهداف والنتائج.
في المحصلة، تكشف التحركات الأوروبية عن إدراك عميق لأهمية مضيق هرمز في النظام الاقتصادي العالمي، لكنها تعكس في الوقت ذاته محدودية الخيارات المتاحة. وبين مسار دبلوماسي يتطلب إشراك إيران، وخيار عسكري عالي المخاطر، ومقاربة وسطية تقوم على إدارة المخاطر، تبدو أوروبا أمام معادلة مفتوحة تعكس تحولات أوسع في طبيعة الصراعات، حيث لم تعد الممرات البحرية مجرد شرايين تجارة، بل أدوات نفوذ وصراع.