logo
العالم

"جزّ العشب".. هل تُحسم حرب إيران دون نتائج استراتيجية؟

حاملة الطائرات الأمريكية يو إس إس أبراهام لينكولنالمصدر: (أ ف ب)

رأت مجلة "فورين بوليسي"، أن الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، تكشف عن حقيقة استراتيجية متكررة في السياسة الدولية؛ "ليس كل تهديد يمكن القضاء عليه، وبعض الصراعات لا يمكن إنهاؤها بل إدارتها فقط"، داعية لتطبيق سياسة "جزّ العشب".

و"جزّ العشب" (Mowing the Grass) عبارة عن استراتيجية عسكرية اعتمدتها إسرائيل لإضعاف قدرات المسلحين الفلسطينيين ومنع تعاظم قوتها، ولكن دون السعي لحسم الصراع نهائياً.

وترى المجلة، في تحليل، أن الرهان على "الحسم العسكري" في الحالة الإيرانية يتراجع تدريجياً، مقابل صعود الحاجة إلى صيغة تفاوضية توازن بين الردع واحتواء المخاطر.

وبحسب التحليل، فإن الإدارات الأمريكية المتعاقبة وقعت مراراً في فخ الاعتقاد بإمكانية إعادة تشكيل بيئات معقدة عبر القوة العسكرية. فمن العراق إلى ليبيا، لم تؤدِّ محاولات إسقاط الأنظمة إلى الاستقرار المنشود، بل أطلقت تداعيات جيوسياسية وأمنية لا تزال آثارها مستمرة.

أخبار ذات علاقة

دونالد ترامب

"نيويورك تايمز": حرب إيران تختبر دبلوماسية ترامب "الارتجالية"

تفوق بلا نتيجة

وتوضح المجلة، أن الضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية حققت نتائج ملموسة على المستوى التكتيكي، إذ استهدفت مواقع إطلاق صواريخ ومنشآت عسكرية وبنية بحرية، غير أن هذه النجاحات لم تُترجم إلى تغيير استراتيجي في سلوك طهران أو في قدرتها على مواصلة الحرب.

فإيران، كما تشرح المجلة، لا تعتمد على بنية عسكرية تقليدية يمكن شلّها بضربة واحدة، بل على شبكة مرنة من القدرات تشمل الطائرات المسيّرة، والزوارق السريعة، والألغام البحرية، وأنظمة صاروخية قابلة للإخفاء وإعادة الانتشار. وتجعل هذه المرونة من الصعب القضاء على التهديد بشكل نهائي، حتى مع استمرار الضربات.

إلى جانب ذلك، تبقى المعرفة النووية الإيرانية خارج نطاق التدمير العسكري؛ فحتى في حال تضرر المنشآت، لا يمكن محو الخبرة التقنية أو تفكيك البنية العلمية التي تدعم البرنامج النووي، ما يعني أن أي إنجاز عسكري يبقى بطبيعته مؤقتاً.

أخبار ذات علاقة

وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس

كاتس: ضربات تزداد وإيران ستدفع ثمناً باهظاً

كما تلفت المجلة إلى أن طهران تحتفظ بقدرة استراتيجية على تهديد الممرات الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز، ما يمنحها أداة ضغط اقتصادية عالمية تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة وتمتد إلى أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد.

الخيار البري

وفي المقابل، تستبعد المجلة أن يشكل التدخل البري حلاً عملياً؛ فالجغرافيا الإيرانية الممتدة والمتنوعة تمثل تحدياً عسكرياً معقداً، حيث توفر الجبال الوعرة والعمق الجغرافي بيئة دفاعية طبيعية تعيق أي غزو واسع النطاق.

وتشير إلى أن أي عملية برية شاملة ستتطلب حشداً عسكرياً ضخماً قد يوازي حجم الجيش الأمريكي، إلى جانب استعداد لتحمل خسائر بشرية كبيرة. كما أن التحضير لمثل هذا السيناريو سيستغرق أشهراً، في وقت يواجه فيه صانع القرار الأميركي قيوداً سياسية داخلية، أبرزها تراجع الدعم الشعبي للحروب الطويلة.

وبذلك يصبح الخيار البري، وفق التحليل، غير واقعي سياسياً وعسكرياً، ما يعزز القناعة بأن الحسم العسكري الشامل ليس خياراً متاحاً.

استراتيجية "إدارة الصراع"

في ظل هذه القيود، تطرح المجلة بديلاً يتمثل في "إدارة الصراع" بدلاً من إنهائه، عبر نموذج يقوم على توجيه ضربات دورية لإضعاف القدرات العسكرية الإيرانية كلما أعادت بناء نفسها، في مقاربة تُشبه ما يُعرف بسياسة "جزّ العشب".

غير أن هذا الخيار، رغم بساطته النظرية، يواجه تعقيدات كبيرة، إذ يفترض أن تقبل إيران بوقف التصعيد في حال خففت الولايات المتحدة عملياتها، وهو افتراض لا تدعمه المعطيات الحالية.

فطهران، بحسب التحليل، لا ترى في التهدئة الأحادية ضمانة كافية، بل قد تعتبرها فرصة لإعادة التموضع. كما أنها تمتلك أدوات فعالة لزيادة الضغط الاقتصادي عبر تهديد تدفقات الطاقة، ما ينعكس مباشرة على أسعار النفط والغذاء عالمياً.

وتحذر المجلة من أن هذا العامل يشكل نقطة ضعف داخلية لإدارة ترامب، إذ إن ارتفاع الأسعار أو دخول الاقتصاد في حالة ركود قد ينعكس سلباً على المشهد السياسي، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.

ملامح صفقة

في هذا السياق، ترى المجلة أن المخرج الأكثر واقعية يتمثل في التوصل إلى صفقة شاملة تقوم على وقف إطلاق نار متبادل يشمل الولايات المتحدة وإيران ويمتد ليشمل إسرائيل، ضمن إطار أوسع لخفض التصعيد.

وبموجب هذا التصور، تلتزم طهران بوقف الهجمات المباشرة وغير المباشرة وعدم السعي إلى تطوير سلاح نووي، إضافة إلى ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز. في المقابل، تعمل واشنطن على وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية، وتقدم تخفيفاً للعقوبات يسمح بإعادة إدماج إيران تدريجياً في الاقتصاد العالمي.

كما يتضمن المقترح السماح لدول رئيسية، من بينها الصين والهند واليابان وتركيا ودول الخليج، باستئناف التجارة مع إيران، بما في ذلك شراء النفط، وهو ما قد يسهم في تهدئة أسواق الطاقة وخفض الضغوط التضخمية العالمية.

العقوبات والوساطة

تؤكد المجلة أن تخفيف العقوبات، خاصة المرتبط بإعادة الإعمار، يمثل مطلباً أساسياً لطهران، التي ترى في استمرار الضغوط الاقتصادية تهديداً لاستقرارها الداخلي.

لكن هذا البند يبقى من أكثر النقاط حساسية في واشنطن، حيث يواجه أي تخفيف للعقوبات انتقادات سياسية، رغم وجود مؤشرات على استعداد محدود لاتخاذ خطوات في هذا الاتجاه إذا ما ارتبطت بضمانات أمنية واضحة.

وتشير المجلة إلى أن انعدام الثقة بين الطرفين يجعل من الصعب التوصل إلى اتفاق مباشر، ما يفتح الباب أمام دور وسطاء دوليين يمتلكون قنوات اتصال مع جميع الأطراف.

وفي هذا الإطار، يبرز احتمال انخراط الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في جهود الوساطة، مستفيداً من علاقاته مع طهران ودول الخليج وإسرائيل. كما أن موسكو طرحت أفكاراً تتعلق بإدارة ملف اليورانيوم الإيراني، ما قد يوفر مخرجاً تقنياً لأحد أكثر الملفات حساسية.

أخبار ذات علاقة

محطة بوشهر النووية في ايران

رويترز: تصاعد دعوات المتشددين في إيران لامتلاك قنبلة نووية

"تسوية صعبة"

تخلص المجلة إلى أن أي اتفاق من هذا النوع لن يكون سهلاً، إذ سيتطلب تنازلات مؤلمة من الطرفين، وقد يواجه معارضة داخلية في كل من واشنطن وطهران.

ومع ذلك، فإن البديل يتمثل في استمرار حرب مفتوحة تستنزف الجميع دون أفق واضح للحسم. فالتصعيد المتبادل، بحسب التحليل، يضع الطرفين في مسار خاسر، حيث لا يمتلك أي منهما القدرة على فرض استسلام كامل على الآخر.

وترى المجلة أن المخرج الواقعي لا يقوم على تحقيق نصر مطلق، بل على صيغة تسمح لكل طرف بادعاء قدر من المكاسب، ضمن توازن هش بين الردع والتعايش، يضع حداً لمسار تصعيدي يهدد الاستقرار الإقليمي والاقتصاد العالمي على حد سواء.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC