أكد خبراء في العلاقات الدولية والشؤون اللاتينية، أن ما صدر عن رئيسة فنزويلا بالوكالة ديلسي رودريغيز، بمواجهة الولايات المتحدة بالطرق الدبلوماسية، يحمل رسالة مزدوجة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بالرغبة في احتواء الأزمة ومنع انزلاقها نحو مواجهة عسكرية مفتوحة، وفي الوقت ذاته، التلويح بالاستناد إلى مبادئ القانون الدولي لمواجهة ضغوط واشنطن المرتبطة بالنفط والنفوذ الإقليمي والدولي.
وبين الخبراء في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن رودريغيز تعتقد أنها بإعلان هذا النهج، يمكنها تحقيق مجموعة من الأهداف، منها تثبيت النظام في كراكاس بعد قطع الرأس، والحفاظ على منظومة الحكم، وكذلك الأمن والاستقرار في بلادها، وسحب أوراق تجديد الهجوم الأمريكي على بلادها، وإمكانية إعادة صياغة شكل القرار في فنزويلا والذي يريد ترامب أن يتعامل معه بمفرده.
وكانت رئيسة فنزويلا بالوكالة ديلسي رودريغيز كشفت مؤخرًا، أن بلادها ستواجه "العدوان الأمريكي" بالسبل الدبلوماسية، فيما أعلنت حكومتها عن خطوات لاستئناف العلاقات مع واشنطن بعد اعتقال سلفها، وقالت رودريغيز، في بيان، إنها ناقشت في اجتماع عبر الإنترنت مع الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا والكولومبي غوستافو بيترو ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، "الهجوم الخطير والإجرامي وغير القانوني وغير المشروع" الذي شنَّته القوات الأمريكية.
ويؤكد الباحث في العلاقات الدولية، الدكتور محمد عطيف، أن ما صدر عن رودريغيز، بشأن مواجهة دور ترامب عبر السبل الدبلوماسية، يندرج ضمن رد فعل سياسي محسوب على اعتقال مادورو من قبل قوات أمريكية، لافتًا إلى أن المقصود بهذه السبل لا يقتصر على خطاب تهدئة شكلي، وإنما يشمل الدعوة إلى الحوار المباشر، ومحاولة إعادة ترميم العلاقات الدبلوماسية، وصياغة أجندة تعاون تقوم على التنمية المشتركة واحترام سيادة فنزويلا.
وأضاف عطيف لـ"إرم نيوز"، أن تصريح رودريغيز يحمل رسالة إلى ترامب بالرغبة في احتواء الأزمة ومنع انزلاقها نحو مواجهة عسكرية مفتوحة، وفي الوقت ذاته، تلوح بالاستناد إلى مبادئ القانون الدولي لمواجهة الضغوط الأمريكية المرتبطة بالنفط والنفوذ الإقليمي والدولي.
وبيّن عطيف أن جدوى هذا الخيار الدبلوماسي يمكن قراءتها باعتباره محاولة لفتح آليات وقنوات تواصل أولية قد تفضي إلى استعادة العلاقات، أو على الأقل الحد من التصعيد، خاصة في ظل إعلان حكومة رودريغيز بدء محادثات مع واشنطن، غير أن فاعلية هذا المسار تبقى في الحقيقة رهينة بالموقف الأمريكي المتشدد، إذ إن تهديدات ترامب المتكررة، التي توحي بإمكانية فرض كلفة أكبر على القيادة الحالية في فنزويلا، تعكس اختلالًا واضحًا في ميزان القوى.
وبحسب الباحث في العلاقات الدولية، فإن الدبلوماسية الفنزويلية للرئيسة بالوكالة، تبدو أقرب إلى خيار إستراتيجي دفاعي يهدف إلى كسب الوقت، وتدويل القضية، واستقطاب دعم إقليمي ودولي، أكثر من كونها أداة ضغط فعالة على صانع القرار الأمريكي، مشيرًا إلى أن العلاقة بين ترامب ورودريغيز مرشحة لمزيد من التوتر، في ظل سعي واشنطن إلى فرض تغييرات سياسية عميقة، من قبيل تنظيم انتخابات توصف بالحرة، ومكافحة شبكات التهريب، مقابل وعود بالاستقرار ورفع جزئي للعقوبات.
واستكمل عطيف أنه رغم أن الحوار قد يفتح الباب أمام ترتيبات انتقالية، فإن استمرار التهديدات الأمريكية ورفض فنزويلا لأي وصاية أو شكل من أشكال الهيمنة الخارجية يجعل احتمال التصعيد قائمًا في حال تعثرت المفاوضات، ويعكس هذا الوضع أيضًا ديناميات أوسع في أمريكا اللاتينية، حيث يواجه التيار اليساري ضغوطًا كبيرة ومتزايدة من قبل الولايات المتحدة، بما قد يدفع إما نحو تعزيز التضامن الإقليمي أو نحو مزيد من العزلة لفنزويلا.
وخلص إلى أن رودريغيز تواجه ترامب بالفعل، ولكن بأدوات دبلوماسية ذات طابع دفاعي، تقوم على الدعوة إلى الحوار والتشبث بالسيادة، في ظل غياب القدرة على رد الاعتبار أو فرض توازن قوى مباشر، مشيرًا إلى أن نجاح هذا النهج يظل مرهونًا باستعداد الإدارة الأمريكية للتفاوض على أساس الندية لا الإملاء، وبقدرة كراكاس على حشد دعم دولي فاعل يحد من الضغوط المفروضة عليها، وهو ما يجعل مستقبل هذا المسار مفتوحًا على سيناريوهات متعددة وغير محسومة.
من جانبه، يقول الباحث في الشأن اللاتيني، الدكتور حسان الزين، إن رودريغيز ترى في المسار الدبلوماسي كلفة أقل من حيث المخاطر مع الوضع الحالي بعد اختطاف مادورو، وهو الحادث الذي لم يصاحبه صدمة داخلية فقط ولكن على المستوى الدولي، ولذلك يحضر تقييم رودريغيز، بأن التفاوض والحوار أو الاشتباك السياسي مع الولايات المتحدة ، والتوجه نحو الأخذ والرد ، هو الأفضل مع إدارة ترامب لتكون مثل "السنبلة" التي تنحني أمام الرياح.
ويرى الزين في تصريح لـ"إرم نيوز"، أن رودريغيز تعتقد أنها بإعلان هذا النهج، يمكنها تحقيق مجموعة من الأهداف، منها تثبيت النظام بعد قطع الرأس، والحفاظ على نظام الحكم، وكذلك الأمن والاستقرار في بلادها، وسحب أوراق معنية بتجديد الهجوم الأمريكي على بلادها، وإمكانية إعادة صياغة شكل القرار في كراكاس والذي يريد ترامب أن يتعامل معه بمفرده.
وبحسب الزين، فإن هذا السبيل الذي تريده رودريغيز هو الأكثر واقعية لجميع الدوائر والأطراف في الوقت الذي تدير فيه الأزمة بسبب توليها الرئاسة بالإنابة، في ظل عدم رغبة الصين وروسيا في مواجهة مسلحة مع واشنطن، لذلك فإن هذا الاختيار هو الأكثر واقعية والأقل ضررًا، وسط انتظار عملها في ترتيب البيت الداخلي.
وتابع الباحث في الشأن اللاتيني أن رودريغيز تطرح ورقة على الطاولة بهذا الإعلان وكأنها تسير بين حفر من النار وتريد ضبط الداخل في مدة زمنية ضيقة، في وقت لم يضع فيه الجانب الأمريكي رؤية شاملة لفنزويلا لِما بعد مادورو، وهو ما يعبرون عنه، رغم تصريحات واشنطن بالتحكم في الوضع هناك، ولكن كل ذلك لن يكون له جدوى إلا بالترجمة العملية على الأرض وفي الصدارة فتح السفارات بين البلدين وتثبيت الأمور الاقتصادية بالنسبة لترامب الذي يريد نفط فنزويلا، وأن تمر الدورة الاستثمارية في كراكاس عبر الولايات المتحدة، وفق تعبيره.