لم يعد حزب الله يظهر اليوم بوصفه القوة التي تدير "دولة داخل الدولة" كما كان لسنوات، لكنه في المقابل لم يفقد بعد قدرته على التأثير داخل مؤسسات الدولة اللبنانية. هذا التناقض – بين التراجع والتحكم – يعكس مرحلة انتقالية معقدة، حيث يتقلص النفوذ العسكري والسياسي للحزب تدريجياً، من دون أن ينهار بالكامل، ما يطرح سؤالاً أعمق: هل يتحول الحزب فعلاً إلى نموذج "العصابة"، أم أنه يعيد التموضع فقط؟
من قوة ردع إلى تكتيك العصابات
يبدو التحول العسكري هو المؤشر الأكثر وضوحاً في هذا السياق. فقد نقلت "رويترز" أن حزب الله عاد إلى "جذوره في حرب العصابات"، عبر العمل في مجموعات صغيرة، وتقليص الاتصالات، وإخفاء القادة، تحسباً للاغتيالات، حيث يعكس هذا النمط تراجع القدرة على العمل كقوة شبه نظامية، بعد الضربات التي طالت بنيته العسكرية ومخازنه ومراكزه.
كما تشير تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن استمرار الضغط العسكري، إلى جانب القيود على التمويل، سيجعل إعادة بناء قدراته أكثر صعوبة، فيما يرى معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي أن الحزب بات "أكثر ضعفاً عسكرياً وتحت ضغط متزايد لنزع سلاحه".
نفوذ يتآكل
سياسياً، خسر الحزب جزءاً مهماً من قدرته على التحكم بالمؤسسات. فمنذ انتخابات 2022، فقد وحلفاؤه الأغلبية البرلمانية، وفق "رويترز"، كما تراجع نفوذهم داخل الحكومة بعد فقدان "الثلث المعطل"، ما حدّ من قدرتهم على فرض القرارات أو تعطيلها.
كما تشير تحليلات مؤسسة كارنيغي إلى أن الدولة اللبنانية باتت أكثر استعداداً لمناقشة ملفات كانت سابقاً خارج النقاش، مثل التفاوض مع إسرائيل، وهو ما يعكس تراجع قدرة الحزب على فرض "فيتو سياسي" شامل كما في السابق.
شبكات مصالح
في هذا السياق، يقدم الكاتب والباحث السياسي علي حمادة قراءة أخرى، إذ يرى أن الحديث عن تحوّل حزب الله إلى "عصابة" لا ينطبق بالكامل على وضعه الحالي. ويؤكد حمادة أن الحزب "لم يعد دولة داخل دولة كما في السابق، لكن نفوذه لا يزال متشابكاً داخل بنية الدولة اللبنانية"، مشيراً إلى شبكة علاقات تمتد إلى قيادات سياسية وازنة، مؤسسات أمنية وعسكرية، ومفاصل اقتصادية وقضائية.
ويضيف أن هذه الشبكات تقوم على تقاطع مصالح، وليس فقط على الولاء السياسي، ما يمنح الحزب قدرة مستمرة على التأثير، حتى في ظل تراجع نفوذه.
لكن حمادة يلفت في المقابل إلى أن هذا النفوذ "يتقلص يوماً بعد يوم"، وأن قدرة الحزب على استخدام الفيتو، أو منع الدولة من اتخاذ قرارات كبرى – مثل الانخراط في مسارات تفاوضية – لم تعد كما كانت، ما يعكس تحوّلاً تدريجياً في ميزان القوى.
البيئة والاقتصاد.. ضغط يتصاعد
إلى جانب التراجع العسكري والسياسي، يواجه الحزب ضغطاً متزايداً داخل بيئته. فالحرب الأخيرة أدت إلى دمار واسع في الجنوب، ونزوح أعداد كبيرة من السكان، ما رفع الكلفة الاجتماعية والاقتصادية على قاعدته الحاضنة.
وتشير تقديرات معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى إلى أن الحزب يواجه تحديات متزايدة على المستويين الاجتماعي والاقتصادي، وأن قدرته على الحفاظ على نفوذه لم تعد مطلقة كما في السابق.
هذا التحول يعني أن البيئة الحاضنة لم تعد مصدر قوة صافية، بل أصبحت أيضاً مساحة ضغط، خصوصاً مع تراجع الموارد وارتفاع كلفة إعادة الإعمار.
بين الدولة والعصابة
يرى حمادة أن حزب الله يقف اليوم بين نموذجين: نموذج "الدولة داخل الدولة" الذي يتراجع، ونموذج "التنظيم المتخفي" الذي يتصاعد عسكرياً. لكن هذا التحول لا يحدث بشكل كامل أو متزامن. فبينما يقترب الحزب عسكرياً من تكتيكات العصابات، لا يزال يحتفظ سياسياً بشبكات نفوذ داخل الدولة، تمنحه قدرة على التأثير، وإن كانت أقل من السابق.
وهنا تكمن دلالة المرحلة؛ فالحزب ينكمش دون أن يفقد نفوذه بالكامل، لكنه في المقابل يفقد قدرته على فرضه؛ ولا يتحول إلى "عصابة" بالمعنى الكامل، لكنه يقترب من هذا النموذج في سلوكه الميداني.