نجمة داوود: 5 جرحى إسرائيليين بعد إطلاق صواريخ إيرانية
في خضم موجة الضربات الانتقامية الإيرانية التي طالت إسرائيل والأردن والعراق ودول الخليج الست، برزت ظاهرة لافتة هي أن تركيا، التي تحتضن قواعد عسكرية أمريكية وحلف الناتو على أراضيها، خرجت سالمةً تمامًا.
فهل هذا الغياب متعمد أم حسابات استراتيجية دقيقة؟ يُجيب المحللون: الأمر أبعد ما يكون عن المصادفة، وفق ما نقلت صحيفة "20 مينيت" الفرنسية.
وتمتلك الولايات المتحدة في تركيا موقعين بالغَي الحساسية: قاعدة إنجرليك الجوية قرب مدينة أضنة جنوب البلاد، المستخدمة في إطار الناتو، وقاعدة كوريجيك في وسط البلاد التي تحتضن رادار منظومة الإنذار المبكر القادرة على رصد إطلاق الصواريخ الإيرانية.
وعلى الرغم من أن أنقرة نفت دومًا وجود أي استخدام إسرائيلي لهذه المنظومة، فإن مجرد وجودها كان مصدر استياء متكرر لطهران.
بيد أن الاستياء شيء والاستهداف شيء آخر. وكما تقول غونول تول من معهد الشرق الأوسط في واشنطن: "ربما أشار المسؤولون الإيرانيون في الماضي إلى كوريجيك كمصدر إزعاج، لكن في هذه المرحلة، مهاجمة دولة عضو في الناتو كتركيا ستكون رهانًا بالغ الخطورة".
يرسم عارف كسكين، المتخصص في الشأن الإيراني بجامعة أنقرة، الحسابات الإيرانية بدقة: "عمل عسكري ضد تركيا قد يستفز ردًا مماثلًا من أنقرة، وقد يدفع الصراع إلى ما هو أبعد من حدود يمكن احتواؤها"، والأخطر أن استهداف عضو في الناتو قد يُفعّل المادة الخامسة من ميثاق الحلف التي تعدّ الهجوم على دولة عضو هجومًا على الجميع، ما يرفع "الكلفة الاستراتيجية إلى مستويات لا تحتملها إيران"، كما يؤكد كسكين.
وتجدر الإشارة إلى حساسية الموضوع الداخلية بالنسبة لأنقرة؛ إذ اعتُقل ثلاثة صحفيين أتراك السبت الماضي بتهمة "انتهاك الأمن القومي" بعد نشرهم صورًا لقاعدة إنجرليك عقب انطلاق الضربات على إيران.
كما سارعت السلطات التركية الاثنين إلى نفي شائعات تناقلتها وسائل التواصل الاجتماعي عن استهداف "قاعدة أمريكية في تركيا"، مؤكدةً أنه لا توجد قواعد "لأجانب" على أراضيها ولم يُستهدف البلد بأي هجوم.
لكن الحسابات الإيرانية لا تقتصر على الخشية من الردّ العسكري. فبحسب سيرهان أفاجان، مدير مركز الدراسات الإيرانية في أنقرة، "إيران لا تملك أي نية لاستهداف أي شيء في تركيا. المخاطر ستكون بالغة الارتفاع سياسيًا وعسكريًا، فضلًا عن أنها ستُغلق أحد آخر منافذ التفاوض المحتملة".
ويُضيف: "إيران تحرص على صون الدور الوساطي المحتمل لتركيا في خدمة التهدئة. استهدافها سيُقوّض هذه الإمكانية في لحظة لا يزال فيها الحوار أمرًا بالغ الأهمية".
وبالفعل، كانت أنقرة قد بذلت جهودًا دبلوماسية هادئة لكن مكثفة لمنع اندلاع الحرب قبل السبت الماضي، وهي تسعى منذ اللحظة الأولى إلى الحفاظ على موقف محايد، راهنةً على أن تكون الجسر الذي يعبر عليه أي حوار مستقبلي.
ففي مشهد تنهار فيه كل الخطوط الحمراء تباعًا، تبدو تركيا استثناءً وحيدًا لا تصنعه المبادئ، بل الجغرافيا والحسابات الباردة معًا.