على بعد 16 شهرًا من الانتخابات الرئاسية الفرنسية، يواصل إدوارد فيليب، رئيس الوزراء الأسبق ورئيس حزب "أوريزون"، تنفيذ خطة محكمة للوصول إلى قصر الإليزيه، رغم التحديات المتزايدة والشكوك التي تحيط بحظوظه في المنافسة.
ويواصل فيليب حملته رغم تراجعه في استطلاعات الرأي وخسارته لأول مرة أمام جوردان بارديلا، رئيس التجمع الوطني اليميني المتطرف، في استطلاع للجولة الثانية.
ومنذ مطالبته بانتخابات رئاسية مبكرة أحدث فيليب قطيعة علنية مع الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون، لكن هذه الخطوة أثارت جدلاً واسعاً ووصفت بـ"الخيانة" من محيط الرئيس.
ورغم الشكوك حول قدرته على خوض حملة عاطفية، يرفض خوض انتخابات تمهيدية ويراهن على فرض نفسه كمرشح طبيعي لليمين والوسط عبر الاستطلاعات، معتمدًا على صورته كرجل "الجدية والنظام".
وفي أكتوبر الماضي، فاجأ فيليب الجميع بتصريح جريء على إذاعة "آر تي إل"، حيث دعا الرئيس إيمانويل ماكرون إلى تنظيم انتخابات رئاسية مبكرة والمغادرة فور إقرار الموازنة.
وكانت لحظة فاصلة في علاقة متوترة بدأت منذ إقالته القسرية من منصب رئيس الوزراء في يوليو 2020.
وزاد فيليب من حدة القطيعة بعد أيام قليلة على قناة "فرانس 2"، قائلاً بلهجة حادة: "أنا لا أدين له بشيء، هو من جاء يبحث عني".
وأثارت هذه التصريحات استياء دائرة ماكرون المقربة، حيث اعتبرها البعض خيانة وافتقاراً للذوق، ووصف أحد المقربين من الرئيس الخطوة بأنها "تنطوي على مفارقة تاريخية، فمن يأتي من اليمين يفترض أن يمثل الاستقرار".
لكن جيل بوايي، النائب الأوروبي المقرب من فيليب، دافع عن موقف زعيمه قائلاً: "سيتعين على الجميع الاعتياد على أنه يقول ما يفكر فيه"، رغم ذلك، حتى أنصار فيليب، وجدوا أنفسهم في حيرة من تصريحاته المفاجئة.
ويراهن فيليب على استطلاعات الرأي لفرض نفسه كمرشح حتمي لليمين والوسط، معتقداً أن القوة تصنع الوحدة وليس العكس، ويرفض بشدة خوض انتخابات تمهيدية، واصفاً إياها بـ"اللعبة المميتة والحرب الأخوية العنيفة".
لكن استطلاعاً حديثاً هز معسكره، حيث ظهر لأول مرة خاسراً أمام بارديلا في الجولة الثانية، بعد أن كان يُعتبر الوحيد القادر على هزيمة اليمين المتطرف. لكن يقلل أنصاره من أهمية هذه النتيجة، مؤكدين أن "الانخفاض يطال كل الكتلة الوسطية" نتيجة الأزمة السياسية الحالية.
جعل فيليب من إعادة انتخابه عمدة لمدينة لوهافر في 2026 شرطاً أساسياً لترشحه للرئاسة، حيث يدرك أن هذه المدينة العمالية اليسارية ليست مضمونة، خاصة مع احتمال وصول التجمع الوطني للجولة الثانية.
ويخطط لاستغلال انتصاره المحلي بسرعة من خلال جمع نحو 600 عمدة يدعمونه لعام 2027. يقول كريستوف بيشو، الأمين العام لحزب أوريزون: "الانتصار الديمقراطي يمنحك دفعة استثنائية".
يعد فيليب بالكشف عن برنامجه "الضخم" في ربيع 2026، مركزاً على خطاب "الجدية" و"وضع النظام في الشارع وفي الحسابات". يتبنى موقفاً صريحاً بشأن إجراءات صعبة كرفع سن التقاعد فوق 64 عامًا، متحديًا الشعبوية بما يسميه أنصاره "النهج التشرشلي للدم والدموع".
وإذا فاز، يعتزم تنظيم انتخابات تشريعية فورية وإجراء استفتاءات حول ثلاثة موضوعات: العجز المالي، والتقاعد، وإعادة تنظيم الدولة، كما يخطط لإصلاحات سريعة في التعليم والصحة والعدالة عبر مراسيم تنفيذية.
يواجه فيليب منافسة شرسة من غابرييل أتال، الأمين العام لحزب "النهضة" الماكروني، الذي يلاحقه في الاستطلاعات ويعتقد أنه قادر على تمثيل الوسط السياسي. كما تبقى مسألة الانتخابات التمهيدية عقبة محتملة، حيث يصر لوران فوكييه وجيرالد دارمانان على ضرورتها.
ويعتمد فيليب على دائرة ضيقة من المستشارين المخلصين، بينما لا يزال يبحث عن مدير حملته الانتخابية. فهل سينجح في تحويل خطته المنهجية والعقلانية إلى واقع سياسي، أم ستطيح به تقلبات الحياة السياسية الفرنسية؟
وفي انتظار الإجابة، يواصل الرجل البالغ من العمر 55 عامًا جولاته عبر فرنسا، مقتنعًا بأن المرشح الذي سيفوز في 2027 سيكون "خيارًا افتراضيًا"، ما يتطلب شرعية قوية لتنفيذ برنامج إصلاحي جذري.