توحدت العواصم الأوروبية للتصدي لمحاولة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب السيطرة على غرينلاند، لكن اعتماد القارة على الولايات المتحدة في الأمن والصادرات والتكنولوجيا يعني أن الانفصال عن حليفها ليس خياراً مطروحاً، وفقًا لصحيفة "وول ستريت جورنال".
وترى الصحيفة الأمريكية أن هذا الاعتماد يضع أوروبا في وضع غير مواتٍ في عالم تتنافس فيه القوى العظمى، ويضعف موقفها في المفاوضات مع ترامب بشأن كل شيء بدءًا من التجارة وحتى غرينلاند وأوكرانيا.
وتقول: "لعقود طويلة، اعتمدت أوروبا على الولايات المتحدة في الأمن، وروسيا في الطاقة، والصين كسوق تصدير متنامية. أما الآن، فهي تعتمد على الولايات المتحدة في المجالات الثلاثة جميعها".
وتضيف: "اليوم، يُصدّر الاتحاد الأوروبي نحو خُمس صادراته إلى أمريكا، أكبر أسواقه الدولية، ويعتمد على الولايات المتحدة في نحو ربع إمداداته من الغاز الطبيعي. وتضم أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في ألمانيا عددًا من الجنود يفوق عدد جنود أكبر قاعدة عسكرية ألمانية هناك".
وتذهب الصحيفة إلى أن الأمر لا يقتصر على الطاقة والتجارة والأمن فحسب، بل تعتمد أوروبا أيضاً على التكنولوجيا والخدمات المالية الأمريكية. وتسيطر شركتا فيزا وماستركارد على نحو ثلثي الإنفاق عبر البطاقات في أوروبا.
ووفقاً لدراسة استقصائية حديثة أجرتها مجموعة الضغط الرقمي "بيتكوم" ومقرها برلين، فإن حوالي 80% من الشركات الألمانية تعتمد على التقنيات والخدمات الرقمية الأمريكية.
صدّر الاتحاد الأوروبي سلعًا إلى الولايات المتحدة بقيمة تقارب 640 مليار دولار أمريكي في عام 2024، ما يمثل حوالي 21% من إجمالي صادراته من السلع، مرتفعًا من حوالي 18% في عام 2019، وفقًا لبيانات الاتحاد الأوروبي.
وهذا المبلغ يقارب القيمة الإجمالية للسلع التي صدّرها الاتحاد إلى المملكة المتحدة والصين، ثاني وثالث أكبر أسواقه التصديرية. وتعتمد المملكة المتحدة بشكل مماثل تقريبًا على الاتحاد الأوروبي، حيث تصدّر نحو 16% من صادراتها من السلع إلى الولايات المتحدة.
كما أصبحت أوروبا -بحسب الصحيفة- تعتمد بشكل كبير على شركات التكنولوجيا الأمريكية في كل شيء، بدءًا من برامج الإنتاجية المكتبية وصولًا إلى مراكز البيانات. وبينما تزخر القارة بمجموعة من الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا في دول مثل المملكة المتحدة وفرنسا، فإن العديد منها يعتمد بدوره على عمالقة التكنولوجيا الأمريكية في أمور مثل الخدمات السحابية ورقائق الذكاء الاصطناعي.
سعى الاتحاد الأوروبي إلى تنويع شركائه التجاريين خلال العام الماضي في محاولة للحد من اعتماده على الولايات المتحدة. وقد أعلن يوم الثلاثاء عن اتفاقية تجارة حرة شاملة مع الهند، وكان قد توصل في وقت سابق إلى اتفاق تاريخي مع أربع دول من أمريكا الجنوبية.
وأشار قادة أوروبا وكندا إلى التحالفات الجديدة بين القوى المتوسطة كوسيلة لكسر التبعية، لكن من المرجح أن تظل تلك الشراكات تعتمد بشكل كبير على الولايات المتحدة في الدفاع والتمويل والوصول إلى التقنيات المتقدمة.
أوروبا ليست بلا نفوذ في علاقتها مع الولايات المتحدة. فبينما قد يستطيع المستهلكون الأمريكيون الاستغناء عن الشمبانيا وشراء السيارات الفاخرة من شركات صناعة السيارات الآسيوية، فإن أوروبا تزود السلع الصناعية الحيوية مثل قطع غيار طائرات إف 35 المقاتلة، بحسب رئيس مركز الأبحاث إيفو في ميونيخ كليمنس فوست.
لكن نظام الحكم القائم على التوافق في أوروبا يجعلها غير ملائمة لعالم التنافس بين القوى العظمى، كما يقول رئيس معهد كيل للاقتصاد العالمي موريتز شولاريك، وهو مركز أبحاث اقتصادي ألماني.
ويضيف: "يسهل تقسيم أوروبا وحكمها، وستظل دائماً الطرف الأبرز الذي يمكن فهمه جيداً".
شكّلت علاقة أوروبا بالولايات المتحدة حجر الزاوية لازدهار القارة بعد الحرب. ولا سيما في ألمانيا، حيث أسهمت الولايات المتحدة في بناء المؤسسات والشركات، فيما يتردد العديد من السياسيين وقادة الأعمال في التخلي عن هذه العلاقة.