بينما يصف الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في تصريحاته الجريئة حول السيطرة على غرينلاند، الجزيرة القطبية بأنها "ذات أهمية استراتيجية بالغة"، يبرز الواقع القاسي الذي يجعل طموحاته بضمّها والاستفادة منها تبدو كأوهام بعيدة المنال.
وعلى الرغم من التركيز على الثروات المعدنية غير المستغلة، التي يراها مسؤولوه كوسيلة لمواجهة هيمنة الصين على المعادن الأرضية النادرة، إلا أن العقبات البيئية والاقتصادية والسياسية تحول دون تحقيق هذه "الأحلام"، بحسب وصف تقرير لشبكة "سي إن إن" الإخبارية.
وتُشكل بيئة القطب الشمالي القاسية، أحد أكبر العوائق أمام استغلال كنوز الجزيرة، فليست ملكية الدنمارك هي المانع الرئيس، بل الظروف الطبيعية المتطرفة، إذ تقع معظم رواسب المعادن في مناطق نائية فوق الدائرة القطبية الشمالية، مغطّاة بصفيحة جليدية سميكة يبلغ سمكها ميلاً واحداً، حيث يسود الظلام معظم أيام السنة.
يقول باحثون إن استخراج هذه المعادن سيكون صعباً للغاية ومكلفاً، حيث يتجاوز تكلفة التنقيب في القطب الشمالي خمس إلى عشر مرات مقارنة بأي مكان آخر على الأرض.
ويغطّي الجليد حوالي 80% من غرينلاند، مما يجعل أي عملية تعدينية تشبه المغامرة في بيئة معادية، يضاف إلى ذلك نقص البنية التحتية والقوى العاملة، الذي يحول حلم التعدين إلى كابوس عملي.
وغرينلاند، كمنطقة ذات حكم ذاتي تابعة للدنمارك، تفتقر إلى الطرق والموانئ والعمالة الماهرة اللازمة لإقامة صناعة تعدينية واسعة النطاق. ووفق مالتي هامبرت، مؤسس وكبير الباحثين في معهد القطب الشمالي، فإن فكرة تحويل الجزيرة القطبية إلى مصنع أمريكي للمعادن النادرة "ضرب من الخيال العلمي" و"فكرة مجنونة تماماً".
ويقارن هامبرت بين التنقيب في غرينلاند وعلى سطح القمر، ذاهباً إلى أن التنقيب في الجزيرة يعد أسوأ في بعض النواحي بسبب التحديات اللوجستية والمناخية المتزايدة، فمن الناحية الاقتصادية، يُعتبر الاستثمار في غرينلاند أسطورة "وعاء الذهب" التي لا تتحقق.
كما يؤكد خبراء أن إقناع الشركات الأمريكية بالمخاطرة بهذا الاستثمار يشبه الخيال، كما يقول جاكوب فانك كيركيغارد، زميل أول غير مقيم في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، الذي يضيف أنه "لو كان هناك كنز من الذهب ينتظر في نهاية قوس قزح في غرينلاند، لكانت الشركات الخاصة قد ذهبت إلى هناك بالفعل".
ويجعل الاستثمار الأولي الضخم تقديم دراسة جدوى أمراً "صعباً للغاية"، خاصة مع غياب الجاذبية التجارية الواضحة. حتى لو قدم ترامب حوافز مالية أو ضمانات بأموال دافعي الضرائب، فإن ذلك لن يبني أساساً متيناً للسيطرة، كما يشبه كيركيغارد الأمر بفنزويلا، حيث فشلت مثل هذه الاستراتيجيات.
وتعزز العوامل البيئية من هذه الأوهام، إذ إن أزمة المناخ لا تسهل الأمر بل تعقده، فرغم ذوبان الجليد السريع وارتفاع درجات الحرارة، الذي فتح بعض طرق الشحن، إلا أنه جعل الأرض أقل استقراراً للحفر وزاد من مخاطر الانهيارات الأرضية.
ولا يعني تغير المناخ أن الأمر سهل، وفق هامبرت، الذي يشير إلى أن هذا ليس البحر الأبيض المتوسط. كما تضيف اللوائح البيئية الصارمة في غرينلاند تكاليف إضافية، تعكس رغبة السكان في الحفاظ على البيئة النقية، وإلغاء هذه اللوائح من قبل إدارة ترامب قد يثير استياء شعبياً واسعاً، مما يؤدي إلى "وضع سياسي محلي عدائي"، كما يقول كيركيجارد.
أما على الصعيد السياسي والاجتماعي، فإن غرينلاند مفتوحة للأعمال التجارية، مما يجعل السيطرة غير ضرورية ومضرة. وعلى عكس فنزويلا، تتمتع الجزيرة باستقرار سياسي طويل وتسعى لجذب الاستثمارات الأجنبية دون عدائية.
وبحسب كريستيان كيلدسن، المدير الإداري لرابطة أعمال غرينلاند، فإنه لا داعي لأي سيطرة على الجزيرة "المنفتحة الاستثمار والعمل مع الأمريكيين"، وهذا النهج يجعل أي محاولة للسيطرة تبدو زائدة ومدمرة للعلاقات.
بالإضافة إلى ذلك، يُواجه ترامب بالفعل رفضاً شعبياً ساحقاً، إذ يتطلب بيع غرينلاند استفتاء، لكن استطلاع رأي في يناير 2025 أظهر أن 6% فقط يؤيدون الانضمام إلى الولايات المتحدة، مقابل 85% يرفضون ذلك رفضاً قاطعاً.
ويحذر آدم لاجونيس، رئيس قسم السياسة الكندية والقطبية الشمالية في جامعة سانت فرانسيس زافيير، من أن "الخطاب الغريب" حول الاستيلاء يهدد بتقويض الأهداف الأمريكية من خلال الإضرار بالعلاقة مع غرينلاند والدنمارك. ويقول: "يمكنك أن ترى أن الولايات المتحدة لم تعد تُعتبر صديقاً وشريكاً، بل أصبحت تُعتبر متنمراً يجب مقاومته".