أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصعيد التوتر مع إيران إلى ذروته، حين أعلن عن إرسال "أرمادا" بحرية هائلة نحو الشرق الأوسط، في خطوة وُصفت برسالة تهديد صريحة ومباشرة إلى طهران.
التحرك أثار موجة من المخاوف الدولية المتزايدة، وسط تخوف حقيقي من انزلاق المنطقة نحو مواجهة عسكرية واسعة قد تغير مجرى الأحداث.
ويرى خبراء استراتيجيون ومختصون في العلاقات الدولية، أن إيران تراهن في الوقت الحالي أمام الحشود العسكرية الأمريكية في المنطقة، على "الصبر الاستراتيجي" المدعوم بتمويه عسكري كثيف، وليس على الرد الوقائي المبكر، في ظل لجوئها إلى نظرية "الانتصار لمن يفرض إيقاع الأزمة وليس لمن يطلق الرصاصة الأولى".
لكن وسط هذا الانتشار العسكري القياسي من الولايات المتحدة، اعتبر الخبراء أنّ "الصبر الاستراتيجي" لم يعد السياسة التي تخدم إيران في هذه المرحلة، ما يدفعها إلى التوجه نحو الرد.
كان ترامب تراجع قبل أسبوعين عن توجيه الضربة لها في اللحظات الأخيرة، بعدما تبيّن له عدم دعم دول إقليمية وازنة للموقف الأمريكي في الشرق الأوسط، لا سيما فيما يتصل بضرب إيران.
معركة قصيرة وصورة نصر
وبحسب الخبراء في تصريحات لـ"إرم نيوز"، فإن "الرد الوقائي المبكر" يبدو خيارًا غير مرجح في الحسابات الإيرانية الحالية، لأن ذلك يناقض عقيدة طهران الدفاعية، ويُدخلها في حرب تختار واشنطن توقيتها وساحتها.
وأشاروا إلى أن إيران تعلم أن الولايات المتحدة تبحث عن اشتباك محدود، قابل للتسويق داخليًا، وليس عن حرب مفتوحة، وهو الأمر الذي يمنح في الوقت ذاته الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ما يريده من معركة قصيرة، وصورة نصر، دون التزامات طويلة الأمد.
وتبلغ الحشود العسكرية الأمريكية المختلفة في الشرق الأوسط ذروتها مع نُذر حرب محتملة ضد إيران، والتي يصفها مراقبون بغير المسبوقة في العدد والعتاد.
وفي هذا الصدد، يحضر الانتشار الأمريكي القياسي في الشرق الأوسط، بين الحشد البشري الذي يتمثل في نشر نحو 45 ألف جندي إضافي، بزيادة تقارب 30% مقارنة بعام 2025، مع التركيز على وحدات المشاة الآلية التابعة للفيلق الثالث، وذلك بهدف تأمين القواعد وخطوط الإمداد ومنع الهجمات الإيرانية أو الميليشياوية.
12 مدمرة صواريخ و150 مقاتلة
وعلى مستوى الحشد البحري، جاء وصول حاملتي الطائرات "يو إس إس أيزنهاور" و"أبراهام لنكولن"، مع نشر 12 مدمرة صواريخ موجهة مدعومة بغواصات نووية، وذلك بغرض فرض السيطرة البحرية وحماية مضيق هرمز.
بينما جاء الحشد الجوي بإضافة 150 مقاتلة F-35 وF-22 إلى الآليات العسكرية الأمريكية الجوية في المنطقة، ونشر ست بطاريات باتريوت وثاد جديدة مع تنفيذ نحو 50 مهمة استطلاع يومياً، بهدف تحقيق التفوق الجوي والضربات الدقيقة.
أما من حيث الدعم اللوجستي والإمدادات الأمريكية، تم تجهيز مخزون ضخم من الذخائر من بينها صواريخ توماهوك، وإنشاء قواعد مؤقتة للوقود والمعدات، بغرض ضمان استمرارية العمليات حتى 90 يوماً.
كسر الإرادة قبل القدرات
بدوره، يؤكد الباحث في الشؤون الاستراتيجية، هشام معتضد، أن أمام هذا الانتشار العسكري الأمريكي الذي يمكن وصفه بـ"القياسي" من حيث الحجم والرمزية، لا تتعامل طهران مع المشهد بوصفه تمهيدًا تلقائيًا للحرب، بل كجزء من استراتيجية ضغط قصوى تهدف إلى كسر الإرادة قبل كسر القدرات.
وتابع معتضد أن التجربة الإيرانية الطويلة مع واشنطن جعلتها تميّز بين الحشد بوصفه أداة ردع نفسية، وبين القرار الفعلي باستخدام القوة، وهو قرار لم تتضح بعد معالمه السياسية.
وأضاف لـ"إرم نيوز"، أن الصبر الاستراتيجي يظل حتى اللحظة، الخيار الأكثر اتساقًا مع العقل الإيراني في ظل إدراك طهران أن أي رد مباشر وسريع يمنح واشنطن وتل أبيب الذريعة السياسية والأخلاقية التي تفتقدها حاليًا.
وأكد أن الصبر هنا لا يعني الضعف، بل إدارة الزمن كسلاح، وترك الكلفة السياسية والعسكرية للتصعيد تتراكم على الطرف الآخر، خاصة في ظل غياب إجماع دولي على توجيه ضربة شاملة.
غموض محسوب للنوايا
ويبين معتضد أن إيران تعتمد بشكل متزايد على التمويه الاستراتيجي وليس على الردع الكلاسيكي، هذا يشمل تضخيم القدرة على الرد دون استخدامها، وإبقاء نواياها في حالة غموض محسوب، وتوزيع عناصر القوة بدل تركيزها، والهدف ليس الرد، بل جعل أي ضربة أمريكية أو إسرائيلية محفوفة بعدم اليقين العملياتي، بما يرفع كلفتها ويُضعف قدرتها على تحقيق حسم سريع.
وذكر أن الرد الوقائي المبكر يبدو خيارًا غير مرجح في الحسابات الإيرانية الحالية، فمثل هذا الرد يناقض عقيدة طهران الدفاعية، ويُدخلها في حرب اختارت واشنطن توقيتها وساحتها.
ولفت إلى أن إيران تعلم أن الولايات المتحدة تبحث عن اشتباك محدود، قابل للتسويق داخليًا، وليس عن حرب مفتوحة، وهو الأمر الذي يمنح في الوقت ذاته الرئيس ترامب ما يريده من معركة قصيرة، وصورة نصر، دون التزامات طويلة الأمد.
الخسارة لصاحب الرصاصة الأولى
استكمل معتضد أن ما يزيد من تعقيد الحسابات هو العامل الإسرائيلي، حيث لا تريد تل أبيب ردع إيران بل تفكيكها استراتيجيًا، وتفضل ضربة تغيّر قواعد اللعبة بدل إدارة الصراع، لذلك، تدرك طهران أن الصبر الاستراتيجي لا يُمارَس فقط تجاه واشنطن، بل أيضًا لكشف التباين بين الأهداف الأمريكية المحدودة والطموحات الإسرائيلية القصوى.
وأفاد بأن إيران في هذه المرحلة، تراهن على الصبر الاستراتيجي المدعوم بتمويه عسكري كثيف، وليس على الرد الوقائي المبكر، حيث تنتظر أن يخطئ خصومها في الحساب، وإلا تسبقهم إلى الخطأ، خاصة أن في صراعات القوى الكبرى، غالبًا ما يكون الانتصار لمن يفرض إيقاع الأزمة، لا لمن يطلق الرصاصة الأولى.
نافذة قرار الحرب وترامب
وتابع معتضد أن عنصر الزمن يلعب لمصلحة طهران أكثر حيث إنه كلما طال أمد الحشد دون قرار، تآكلت مصداقية تهديد الولايات المتحدة، وارتفعت كلفة أي تحرك عسكري في سياق داخلي أمريكي شديد الحساسية، في وقت تدرك فيه إيران أن ترامب يتعامل مع القوة كأداة تفاوض وليس التزاما استراتيجيا طويل الأمد، فضلا عن أن نافذة اتخاذ قرار الحرب تضيق كلما اقتربت الاستحقاقات السياسية والاقتصادية داخل الولايات المتحدة.
واستطرد أن إيران لا تستعد لحرب شاملة بقدر ما تُدير فضاء "ما دون الحرب" أي أنها تُهيّئ بيئة تجعل التصعيد ممكنًا دون أن يصبح حتميًا.
وأضاف: "هذا يشمل اختبارات محدودة للردع، وحراكًا غير مباشر عبر مسارح متعددة، ورسائل محسوبة لا ترقى إلى مستوى إعلان المواجهة، وهذه المقاربة تسمح لطهران بالحفاظ على زمام المبادرة النفسية، وإبقاء الخصم في حالة استنفار دائم دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة".
خطاب التأهب المتكرر
ويقول أستاذ العلاقات الدولية بجامعة نورث كارولينا، البروفيسور خضر زعرور، إنّ انتشار القوات الأمريكية في الشرق الأوسط بات أمراً واضحاً، مما يرفع أسهم جدية الولايات المتحدة هذه المرة في توجيه ضربة إلى إيران التي كعادتها تعلن استعدادها الدائم لأي هجوم، وهو خطاب تكرره منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي بالقول إنها متأهبة ومتواجدة في كل مكان وقادرة على ضرب العدو.
ويرى زعرور في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أنّ طهران باتت تنظر إلى أي هجوم عليها بوصفه إعلان حرب مفتوحة بكل الاحتمالات ضد الولايات المتحدة ومصالحها.
واعتبر أنّ سياسة "الصبر الاستراتيجي" لم تعد تخدم إيران في هذه المرحلة، ما يدفعها إلى التوجه نحو الرد، في وقت كان قد تراجع ترامب قبل أسبوعين عن توجيه الضربة لها في اللحظات الأخيرة، بعدما تبيّن له عدم دعم دول إقليمية وازنة للموقف الأمريكي في الشرق الأوسط، لا سيما فيما يتصل بضرب إيران.
ضربة تأتي بالمرشد
ويشير زعرور إلى أن هذا التراجع لم يمنع ترامب من الاستعداد العسكري، إذ جرى تجهيز الجيش الأمريكي بآلياته البحرية والجوية، بما في ذلك قاذفات من طراز "بي-52"، للاستعداد الكامل لضرب إيران، مرجحا أن لا تقتصر الضربة المحتملة حال حدوثها على المنشآت النووية فحسب، بل قد تشمل إدارات ومصانع، وربما أهدافاً على مستوى القيادة العليا، بما فيها المرشد.
ويعتقد زعرور أنّ تمسّك إيران بمواقف دول الجوار غير الداعمة للولايات المتحدة في توجيه الضربة لها شجعها على اتخاذ موقف عالي النبرة، مفاده بأنها لن تستسلم، وأنها ستتعامل مع أي هجوم باعتباره حرباً مفتوحة، مع التلويح باستخدام أسلحة لم تُستخدم خلال حرب الـ12 يوما، مرجحا استنفاد سياسة "الصبر الاستراتيجي" غرضها، والرد في حال تعرّضها لضربة قوية.
ويرجح زعرور أنه حال توجيه الولايات المتحدة ضربة محدودة، سيكون الرد الإيراني على المنوال نفسه، كاستهداف موقع محدود، ربما قاعدة عسكرية غير مأهولة بالسكان لا تضم قوات أمريكية، أو بعد منح مهلة لإخلاء المكان أو المجال المستهدف.
ويكمل: "أمّا إذا كانت الضربة شاملة في مختلف أنحاء إيران أو موجعة للنظام، سيعتبر الأخير الذي يهمه الاستمرار والاستقرار ذلك تهديداً مباشراً لبقائه، ما يدفعه إلى ضرب المصالح الأمريكية ليس فقط في محيط إيران بل يكون هناك عمليات نوعية نحو سفارات ومقار دبلوماسية".
معادلة "التألّم المتبادل"
وأشار إلى أنه في حال مشاركة إسرائيل في الضربة، فإنها ستنال نصيبها من الرد، مذكّراً بأنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان قد غادر بطائرته إلى مكان غير معلوم عندما تبلّغ قبل أسبوعين، باحتمال توجيه ضربة أمريكية لإيران.
وأشار إلى أنّ طهران تمتلك أسلحة قد تستخدمها لأول مرة لضرب تل أبيب، في إطار الرهان على معادلة "تألّم إيران يعني تألّم الولايات المتحدة وتألم إسرائيل".
وختم زعرور بالقول إنّ الضربة الأمريكية، إن وقعت، ستكون على الأرجح أقوى، غير أنّ الحشد العسكري الأمريكي المكثف يهدف في الأساس إلى ممارسة الضغط على إيران.