تستقبل أوروبا عام 2026 وهي تصطدم بواقع جيوسياسي شديد التعقيد، حيث تجد القارة التي صاغت لقرون ملامح القرار الدولي نفسها اليوم مدفوعة لإعادة تعريف هويتها في نظام عالمي لم تعد تتربع على قمة مركز الثقل فيه.
وتعيش بروكسل اليوم حالة من الانحباس الاستراتيجي، فهي من جهة لا تزال أسيرة لاعتمادها المزمن على المظلة الأمنية والسياسية للتحالف عبر الأطلسي، ومن جهة أخرى تواجه صعوداً متسارعاً لقوى الجنوب العالمي التي تتبنى نهجاً براغماتياً يتجاوز الأطر التقليدية. هذا المشهد وضع الاتحاد الأوروبي في موقف دفاعي غير مسبوق، مكافحاً للحفاظ على بقايا نفوذه الدولي في ظل خارطة قوة جديدة لم تعد تعترف بالمركزية الأوروبية.
ووفرت سلسلة من الاجتماعات رفيعة المستوى في نهاية عام 2025 - من قمة أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي في كولومبيا، إلى قمة مجموعة العشرين في جوهانسبرغ، وصولًا إلى قمة أفريقيا–أوروبا في لواندا - فرصة لأوروبا لإعادة تقديم نفسها كشريك تقدمي. غير أن هذه القمم كشفت في الواقع عن صعوبة ترجمة الخطاب الأوروبي إلى نفوذ فعلي، وسط منافسة متزايدة من الصين وروسيا والولايات المتحدة.
شهد عام 2025 استمرار عدم الاستقرار السياسي في غرب أفريقيا، مع انقلاب عسكري في غينيا بيساو في نوفمبر/ تشرين الثاني ومحاولة انقلاب في بنين، في امتداد لمسار بدأ منذ 2020 في مالي وغينيا وبوركينا فاسو، ثم النيجر وغابون لاحقا، مشكّلًا ما بات يُعرف بـ«حزام الانقلابات» في منطقة الساحل.
قابلت الأنظمة العسكرية الجديدة هذا التحول بإعادة رسم تحالفاتها الخارجية، فتم طرد القوات الفرنسية وتقليص الوجود الدبلوماسي الأوروبي، مقابل تعميق العلاقات مع روسيا. وقد تُرجِم ذلك إلى عقود أمنية مربحة مع مجموعة "فاغنر" - التي أعيد تسميتها بـ"Africa Corps" بعد مقتل يفغيني بريغوجين؛ ما أتاح لموسكو موطئ قدم استراتيجيًا يشمل النفوذ السياسي، والوصول إلى المعادن الحيوية، والتمركز العسكري.
وكتب مراقب أوروبي أن "انهيار النفوذ الفرنسي في مستعمراته السابقة أجبر باريس على إغلاق قواعد ونقل أخرى، منهياً عقودا من إدارة ما بعد الاستعمار، بينما نجح الكرملين في ملء الفراغ بسرعة وفعالية".
سعت بروكسل إلى مواجهة هذا التراجع عبر مبادرة "البوابة العالمية"، المصممة لتعزيز التنمية والبنية التحتية والاتصال. غير أن المبادرة، رغم وعودها، لم تُقنع الشركاء الأفارقة بقدرتها على خلق فرص عمل حقيقية أو بناء سلاسل قيمة محلية مستدامة.
تعتمد البوابة على شراكات بين القطاعين العام والخاص تُقصي في الغالب الشركات الأفريقية، بينما تظل هياكل الحوكمة مركزية وتفتقر إلى آليات صنع قرار مشتركة. ونتيجة لذلك، يُنظر إليها على أنها مبادرة من أعلى إلى أسفل، وليست شراكة متكافئة - وهو ما يفسر الفتور الأفريقي تجاه تقارير التقييم الأوروبية للفترة 2022–2025.
في آسيا، يتخذ تراجع النفوذ الأوروبي شكلا أكثر هدوءا لكنه لا يقل عمقا. فمنذ عام 2000، شكّل صعود الصين التحول الجيوسياسي الأكثر دراماتيكية في الاقتصاد العالمي. فبعد أن كانت خارج المراكز الخمسة الأولى عام 1980 بناتج محلي لا يتجاوز 300 مليار دولار، تجاوزت بكين اليابان وألمانيا بحلول 2010، لتستقر عام 2025 كثاني أكبر اقتصاد عالمي بنحو 19.4 تريليون دولار.
في المقابل، فشلت أوروبا في بناء حضور اقتصادي أو استثماري مؤثر في جنوب شرق آسيا، حيث هيمنت الصين عبر مبادرة "الحزام والطريق" على البنية التحتية وسلاسل التوريد. وحتى في مجالات كانت أوروبا تتفوق فيها تقليديًا - مثل المعايير التنظيمية والتجارة - بات نفوذها أقل جاذبية أمام التمويل الصيني السريع وغير المشروط.
يحاول الاتحاد الأوروبي إعادة التموضع عبر تمويل التحول الأخضر وشراكات المعادن الحيوية، لكنه نادرا ما ينافس حجم وسرعة رأس المال الصيني أو الخليجي. في الوقت نفسه، تعمّق قوى متوسطة مثل الهند وتركيا حضورها من خلال نقل التكنولوجيا والدفاع، مانحة الحكومات الأفريقية والآسيوية هوامش تفاوض أوسع.
ومن المتوقع أن يشهد عام 2026 سلسلة قمم أفريقية مع فرنسا وإيطاليا وتركيا وروسيا، تعكس تحوّل القارة إلى ساحة مفتوحة للتنافس، وليس مجالا حصريا لأوروبا.
يُنظر إلى الاتحاد الأوروبي على أنه الأضعف عسكريا مقارنة بالولايات المتحدة والصين وروسيا. وبين أبعاد النفوذ الثلاثة - الاقتصاد، القوة العسكرية، والجاذبية الثقافية - تظل القوة الناعمة هي المجال الوحيد الذي يحتفظ فيه بتفوق نسبي.
ويرى بعض المسؤولين الأوروبيين أن هذا لا يعني فقدان النفوذ، بل تحوّله إلى "قوة معيارية" قائمة على القيم والتنظيم. غير أن هذا الطرح يصطدم بواقع عالم بات يفضل السرعة والبراغماتية على القواعد طويلة الأمد.
بحلول خريف 2025، بدأ يتبلور إدراك داخل أوروبا بأن التحدي لم يكن في تراجع مفاجئ، بل في الاعتماد على عادات قديمة. فقد خلقت عقود من الاستقرار بعد الحرب العالمية الثانية وهما بالدوام، بينما أظهرت التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والجيوسياسية أن هذا التوازن كان مشروطا لا دائما.
تزامن هذا الإدراك مع صعود الصين، والتراجع النسبي للولايات المتحدة عبر مؤشرات الاقتصاد والتصنيع والابتكار، أعاد تشكيل التسلسل الهرمي العالمي وأدخل أوروبا في حالة عدم يقين استراتيجي.
تعتمد أوروبا على المعادن الأفريقية لتحقيق طموحاتها في الطاقة والرقمنة والدفاع، بينما تحتاج أفريقيا إلى التكنولوجيا والتمويل والأسواق الأوروبية. غير أن قانون المواد الخام الحيوية الأوروبي - الذي يشترط إجراء 40% من المعالجة داخل أوروبا بحلول 2030 - يعكس أولوية حماية القاعدة الصناعية الأوروبية على حساب شراكة أعمق مع القارة الأفريقية.
تجد أوروبا نفسها اليوم محاصرة بين روسيا التعديلية شرقا، ونظام عالمي تميل فيه الولايات المتحدة إلى مناطق النفوذ. وإذا أرادت القارة الحفاظ على وزنها، فستحتاج إلى استثمارات عاجلة في الابتكار والقدرات العسكرية وأمن الطاقة والمرونة المجتمعية.
لن تعود أوروبا قوة مهيمنة، لكنها قد تظل قوة إقليمية حاسمة إذا اعترفت بحدودها، واتخذت مقايضات استراتيجية واعية، وبنت مؤسسات قادرة على الصمود.
والسؤال لم يعد ما إذا كانت أوروبا ستفقد مزيدا من النفوذ - فهذا يحدث بالفعل - بل ما إذا كانت ستتكيف مع الواقع الجديد، أم ستواصل الانحدار حتى الهامشية الكاملة في النظام العالمي.