يصر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على أن غرينلاند "مغطاة بالسفن الروسية والصينية في كل مكان"، مبرراً بذلك رغبته في السيطرة على الجزيرة الغنية بالمعادن.
لكن هل هذه الادعاءات حقيقية؟ وما حجم التهديد الفعلي الذي تشكله روسيا والصين على هذه المنطقة الاستراتيجية؟.
وقال ترامب للصحفيين على متن طائرة الرئاسة "إير فورس وان" في 4 يناير: "الآن، غرينلاند مغطاة بالسفن الروسية والصينية في كل مكان. نحن بحاجة إلى غرينلاند من منظور الأمن القومي".
وأضاف في تصريح آخر أن الوضع واضح لدرجة: "أنك لا تحتاج حتى إلى مناظير - تنظر للخارج فقط وترى سفناً صينية وروسية في كل مكان".
الحقيقة على الأرض.. خبراء يفندون الادعاءات
رفض دبلوماسيون من دول الشمال الأوروبي ادعاءات ترامب بشكل قاطع.
وقال دبلوماسي كبير لديه وصول إلى إحاطات استخبارات الناتو لصحيفة "فايننشال تايمز": "ببساطة، ليس صحيحاً أن الصينيين والروس موجودون هناك. لقد رأيت المعلومات الاستخباراتية. لا توجد سفن، ولا غواصات".
أما وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن فكان أكثر وضوحاً، حيث قال في وقت سابق من هذا الأسبوع: "الصورة التي يتم رسمها عن سفن روسية وصينية داخل مضيق نوك والاستثمارات الصينية الضخمة التي يتم إجراؤها غير صحيحة". بيانات تتبع السفن من "مارين ترافيك" و"إل إس إي جي" لا تظهر أي وجود لسفن صينية أو روسية بالقرب من غرينلاند.
التهديد الحقيقي.. بعيد لكنه موجود
رغم تفنيد الادعاءات المباشرة، يؤكد الخبراء وجود نشاط روسي وصيني في القطب الشمالي، لكن بعيداً عن غرينلاند.
أولريك برام غاد من المعهد الدنماركي للدراسات الدولية يوضح أن الأنشطة الرئيسية تتعلق بالغاز الطبيعي المسال من شبه جزيرة يامال في الشرق، وأن "هناك بالفعل سفناً روسية وصينية في القطب الشمالي، لكن هذه السفن بعيدة جداً بحيث لا يمكن رؤيتها من غرينلاند مع أو بدون مناظير".
دبلوماسي شمالي آخر قال إن الادعاءات بأن المياه حول غرينلاند "تعج" بالسفن الروسية والصينية لا أساس لها، مضيفاً أن هذا النشاط موجود على الجانب الروسي من القطب الشمالي.
الأهمية الاستراتيجية الحقيقية
رغم المبالغات، تظل غرينلاند ذات أهمية استراتيجية حقيقية. موقعها يجعلها أساسية للتحكم في الوصول إلى شمال الأطلسي، سواء للتجارة أو الأمن، وثرواتها من الموارد الطبيعية، بما في ذلك النفط والغاز والمعادن الأرضية النادرة، تضيف إلى أهميتها الاستراتيجية.
تحتل غرينلاند المرتبة الثامنة عالمياً في احتياطيات المعادن الأرضية النادرة، بـ 1.5 مليون طن، وهي موطن لاثنين من أكبر رواسب هذه المعادن في العالم. هذه المعادن حيوية لصناعات التكنولوجيا المتقدمة والبطاريات والمعدات العسكرية.
الصين وسياسة "طريق الحرير القطبي"
في 2018، أعلنت الصين نفسها "دولة شبه قطبية" في محاولة للحصول على مزيد من النفوذ في المنطقة، وأعلنت عن خطط لبناء "طريق الحرير القطبي" كجزء من مبادرة الحزام والطريق العالمية.
لكن معظم المشاريع الكبرى استمرت في الحجب بسبب مخاوف أمنية.
تحذر وزيرة الأعمال والموارد المعدنية في غرينلاند من أنه بدون تدفق للاستثمارات، سيتعين على غرينلاند التوجه إلى شركاء آخرين، بما في ذلك الصين.
روسيا والتصعيد العسكري
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قال خلال خطاب في مارس 2025 في المنتدى الدولي للقطب الشمالي بمورمانسك: "لم تهدد روسيا أبداً أي أحد في القطب الشمالي، لكننا سنتابع التطورات عن كثب ونرد بشكل مناسب بزيادة قدرتنا العسكرية وتحديث البنية التحتية العسكرية".
والعام الماضي، ارتفع عدد شحنات النفط من روسيا إلى الصين عبر طريق البحر الشمالي بمقدار الربع.
تقييم الخبراء.. مبالغة لأهداف سياسية
مارك جاكوبسن، أستاذ مشارك في الكلية الدفاعية الملكية الدنماركية وخبير الأمن القطبي، قال لصحيفة "ذا هيل" إنه قلق من ادعاء ترامب الأخير بأن "غرينلاند مغطاة بالسفن الروسية والصينية في كل مكان".
وأكد أنه "لا توجد سفن صينية وروسية في المياه الغرينلاندية كما يدعي الرئيس ترامب".
وأضاف جاكوبسن: "من خلال المبالغة في التهديد والتقليل من المساهمة العسكرية الدنماركية، يحاول تأمين الوضع بهدف إضفاء الشرعية على السيطرة الأمريكية على غرينلاند".
كذلك وصف كلايتون ألين، رئيس الممارسة في مجموعة أوراسيا الاستشارية، الأمر بوضوح، قائلا: "ترامب رجل عقارات، وغرينلاند تقع على بعض من أكثر العقارات قيمة من حيث الميزة الاقتصادية والدفاع الاستراتيجي للعقود الثلاثة إلى الخمسة القادمة".
لذلك بينما يوجد تنافس حقيقي بين القوى العظمى في القطب الشمالي، وتشكل روسيا والصين تهديداً استراتيجياً طويل المدى للمصالح الغربية في المنطقة، إلا أن ادعاءات ترامب المباشرة حول وجود سفن روسية وصينية "في كل مكان" حول غرينلاند تفتقر إلى الدقة.
ويرى الخبراء والمسؤولون الأوروبيون في هذه الادعاءات مبالغة مقصودة لتبرير الطموحات الأمريكية في السيطرة على الجزيرة الغنية بالموارد الاستراتيجية.