طهران: الهجوم على مجمع تخصيب اليورانيوم في "نطنز" يتعارض مع معاهدة حظر الانتشار النووي
شهدت جمهورية التشيك مطلع الشهر الجاري مظاهرات حاشدة في العاصمة براغ شارك فيها عشرات الآلاف تأييدا للرئيس بيتر بافل بعد رفضه الموافقة على ترشيح وزير للحكومة الائتلافية الجديدة المناهضة للاتحاد الأوروبي، الذي أدى التحية النازية واستعرض تذكارات مرتبطة بالعهد النازي.
ووسط تصاعد الخلاف مع الحكومة، وجّه بافل، المؤيد للاتحاد الأوروبي وأوكرانيا، أخيرًا اتهامات لوزير الخارجية بيتر ماسينكا بإرسال رسائل نصية عبر مستشاره للرئيس تهدده "بعواقب" إذا استمر في معارضة ترشيح فيليب توريك لمنصب وزير البيئة.
وتعرض توريك لانتقادات بسبب أدائه التحية النازية واستعراض التذكارات، وأرجع توريك سلوكه إلى أنه سوء تقدير منه، نافيا أي ميول لـ"النازية أو العنصرية".
ورأى خبراء أن هذا الخلاف بين الرئيس والحكومة يتجاوز مسألة عدم الاتفاق على اسم وزير، وإنما يعكس صراعا أوسع في المجتمع التشيكي بين توجه مؤيد للاتحاد الأوربي، وآخر يشكك في جدوى التكتل ويرفض سياساته.
وانضمت جمهورية التشيك رسميا إلى الاتحاد الأوروبي في عام 2004، بعد مسار طويل من التحول الديمقراطي والاقتصادي والاجتماعي إثر "الثورة المخملية" عام 1989، وجاء الانضمام ضمن أكبر توسع تاريخي للاتحاد الأوروبي، الذي شمل 8 دول شرق أوروبية أخرى في الفترة نفسها.
وشكّل الانضمام خطوة رئيسة للانفتاح وترسيخ الهوية الأوروبية للبلاد بعد عقود من الحكم الشيوعي المغلق، بحسب خبراء.
وبعد نحو 36 سنة من انهيار الحكم الشيوعي، وتقسيم ما كان يعرف سابقا بـ"تشيكوسلوفاكيا" إلى التشيك وسلوفاكيا، ومن ثم الانضمام إلى التكتل الأوربي، يطرح خبراء تساؤلات عما إذا كانت التشيك لا تزال مشدودة، سياسيا ونفسيا، إلى فضاء أوروبي شرقي، أم الغلبة لتيار يندفع نحو بروكسل.
ويلاحظ خبراء أن خروج عشرات الآلاف إلى الشوارع معلنين دعمهم لرئيس معروف بمواقفه المؤيدة للاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي "الناتو" وأوكرانيا، يرمز إلى وجود معارضة لا يستهان بها ضد الحكومة الجديدة، ذات الطابع الشعبوي والمشكك في بروكسل.
وتعود جذور هذا الانقسام إلى "الثورة المخملية"، التي اندلعت في شهر نوفمبر/تشرين الثاني عام 1989 وأنهت عقودا من الحكم الشيوعي دون عنف، ومن هنا جاء اسمها كدلالة على "المرونة والهدوء"، رغم صعوبة المهمة، إذ أسقطت نظاما مكرسا كان جزءا أساسيا من الكتلة الشرقية بقيادة الاتحاد السوفييتي السابق.
وقاد الحركة، آنذاك، مثقفون وطلاب ونشطاء مجتمع مدني، وكان في مقدمتهم الكاتب والمفكر فاتسلاف هافيل، الذي أصبح لاحقا أول رئيس ديمقراطي لتشيكوسلوفاكيا، ثم لجمهورية التشيك بعد الانفصال السلمي عن سلوفاكيا.
وعمل جيل الثورة المخملية للعودة التدريجية إلى أوروبا الغربية، عبر إحداث قطيعة مع الإرث الشيوعي، ونادى بالديمقراطية الليبرالية، والتحول إلى اقتصاد السوق ومبادئ حقوق الإنسان، ولذا اعتبر انضمام التشيك إلى "الناتو" والاتحاد الأوروبي تتويجا لمسار تاريخي شاق وطويل.
ويلاحظ خبراء أن هذا المسار كان مكلفًا، فالتحول من الاقتصاد الاشتراكي الذي دام لعقود إلى اقتصاد السوق تسبب بإحداث صدمات اجتماعية، إذ ظهرت فوارق طبقية جديدة وسط شعور متزايد بالغبن، خصوصا لدى الطبقات العاملة، التي حظيت بقدر من الاهتمام في كنف النظم الاشتراكية، وهو ما أدى إلى تبلور تيار مشكك في الاتحاد الأوروبي.
ويعد الخبراء أن الصراع الحالي بين الرئيس "الأوروبي الهوى" والحكومة الائتلافية المتحفظة في الاندفاع نحو بروكسل يأتي كجزء من من هذا الجدل التاريخي، فالرئيس، وهو جنرال سابق في "الناتو"، يجسّد رؤية أمنية وسياسية تعتبر أن موقع التشيك الطبيعي هو في قلب المعسكر الغربي، وأن دعم أوكرانيا في حربها ضد روسيا هو ضمانة لأمن أوروبا الوسطى.
في المقابل، تميل قوى مؤثرة داخل الحكومة إلى خطاب أكثر انغلاقا وانعزالية، إذ تشكك في جدوى الدعم غير المشروط لكييف، وترى أن الأولوية يجب أن تكون للمصالح الوطنية، معتبرة أن ملف أوكرانيا هو مثال على "تورط" الغرب في صراعات قد تجر دولا أصغر، مثل التشيك، إلى مواجهات لا طاقة لها بها، وفواتير لا يتحملها "الاقتصاد المتواضع".
ولا يقتصر الجدل على أوكرانيا، فالسجالات حول قضايا تبدو بعيدة جغرافيا، مثل غرينلاند تجد صداها أيضا في براغ.
ويستخدم بعض النخب السياسية ملف غرينلاند كدليل على أن العالم يدخل مرحلة صراع بين قوى كبرى كالولايات المتحدة وروسيا والصين، ما يستدعي، برأيهم، قدرا أكبر من الاستقلالية والسيادة الوطنية، فيما يرى آخرون أن هذه التحولات بالذات تجعل من الانخراط العميق في التحالفات الغربية ضرورة، لأجل الاحتماء بـ"المظلة الأمريكية" والاستفادة من مزايا التعاون في إطار المؤسسات الأوروبية.
وعلى هذا النحو، تتأرجح التشيك بين ذاكرة شيوعية لم تُمحَ بالكامل، معززة بقاعدة شعبية تخشى فقدان الهوية، وحلم أوروبي يمثّل، في رأي المؤيدين، ضمانة للأمن والازدهار.
وتُظهر أحدث استطلاعات الرأي في التشيك أن العلاقة مع الاتحاد الأوروبي تقوم على توازن دقيق بين القبول والتحفظ، إذ تشير الاستطلاعات إلى أن نحو 74% من المواطنين يفضلون الاستمرار في عضوية التكتل، إذ يرون أن العضوية حققت فوائد اقتصادية وأمنية، وأسهمت في ترسيخ موقع التشيك ضمن الفضاء الغربي بعد عقود من العزلة الشيوعية.
ورغم ذلك، فإن ضمن هذه الفئة ثمة من يبدي تحفظا حيال اعتماد العملة الموحدة اليورو ويفضّلون الإبقاء على الكرونة التشيكية كأداة استقلال نقدي ورمز للسيادة الاقتصادية، كما يبدون حذرا بخصوص مسألة الهجرة، وضرورة ألا تسير التشكيك في النهج الأوروبي الغربي "المتسامح" في استقبال اللاجئين.
أما التيار المعارض للاتحاد الأوروبي، فتصل نسبته إلى نحو 23% ويتمركز في المناطق الريفية والمدن الصغيرة، ولدى الفئات الأكبر سنا التي لا تزال تحمل نوعا من الحنين إلى الماضي، وتتحسس من أي شكل من أشكال الهيمنة الخارجية.
كما أن هذا التيار المعارض يشمل شرائح اجتماعية تشعر بأن مكاسب الاندماج الأوروبي لم تُوزَّع بعدالة، بعدما فقدوا امتيازات تمتعوا بها في الحقبة الشيوعية.
وتمثل الأحزاب الشعبوية والقومية، وبعضها مشارك في الحكومة الئتلافية، الحاضنة الرئيسة لهذا التوجه، وهي أحزاب لا تدعو إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي، على نحو جازم، لكنها تستخدم خطابا نقديا تجاه بروكسل، وتطالب بإعادة ضبط العلاقة معها على أساس المصالح الوطنية.
ويخلص خبراء إلى القول إن المظاهرات الأخيرة تعكس صراعا مزمنا حول معنى "الانتماء" في جمهورية تشكلت هويتها الحديثة على أنقاض الشيوعية، مرجحين أن الجدل سيستمر، ليس فقط في التشيك، بل في معظم دول أوروبا الوسطى التي لم تحسم بعد المعادلة المربكة، وهي "هل الغرب هو قدر تاريخي، أم خيار قابل للمراجعة؟".