البيت الأبيض يقول إن ترامب لن يتخلى عن عملية السلام في أوكرانيا
أجرى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، في السادس من أكتوبر/تشرين الأول، مكالمة هاتفية استمرت نحو 30 دقيقة، وُصفت بأنها أول اتصال رسمي ومجدول بين الزعيمين منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض في يناير الماضي.
المكالمة، التي كشفت تفاصيلها صحيفة "فولها دي ساو باولو"، لم تكن مجرد حديث مجاملة بين رئيسين، بل بدت أقرب إلى اختبار نيات دبلوماسي يمهد لإعادة صياغة العلاقات بين أكبر اقتصادين في القارتين الأمريكيتين.
وبحسب موقع "ستراتفور"، فقد دعا لولا خلال الاتصال إلى تراجع واشنطن عن زيادة الرسوم الجمركية المفروضة على البرازيل، ورفع القيود المالية والقيود على التأشيرات المفروضة على بعض المسؤولين البرازيليين.
من جانبه، فوّض ترامب وزير خارجيته، ماركو روبيو، لمواصلة التفاوض بشأن هذه الملفات الحساسة، ما يعكس رغبة حذرة في إبقاء قنوات الحوار مفتوحة رغم الخلافات الأيديولوجية العميقة بين الطرفين.
يمثل الاتفاق على عقد لقاء شخصي "قريبًا" بين ترامب ولولا خطوة رمزية، لكنها تعكس إدراك الطرفين لحجم الضرر الذي خلفته الحرب التجارية المتصاعدة بين البلدين، خاصة في قطاعات الزراعة والطاقة والتكنولوجيا.
قد تفتح المكالمة الباب أمام مفاوضات أوسع حول الرسوم الجمركية البالغة 40% التي فرضتها إدارة ترامب في أغسطس الماضي، والتي استهدفت مجموعة واسعة من السلع البرازيلية.
وبحسب التسريبات، قد تشمل النقاشات القادمة إعفاءات جديدة لعدد من المنتجات الزراعية والمعادن الأساسية، بالإضافة إلى اتفاقيات متقدمة حول مراكز البيانات وتنظيم عمل شركات التكنولوجيا الكبرى.
إلا أن المفاوضات لن تكون سهلة؛ فوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، المعروف بمواقفه المتشددة تجاه الحكومات اليسارية في أمريكا اللاتينية، قد يدفع باتجاه شروط أكثر صرامة في ملفات حقوق الإنسان والتكنولوجيا الرقمية.
وفي المقابل، يواجه لولا ضغوطًا داخلية تمنعه من تقديم تنازلات كبيرة، خصوصًا في ظل الغضب الشعبي من العقوبات الأمريكية، ووسط تحركات اليمين البرازيلي لاستثمار الأزمة سياسيًّا.
كما تُعد قضية الرئيس السابق جايير بولسونارو، الذي يواجه احتمال السجن في قضايا تتعلق بمحاولة تقويض النظام الديمقراطي، واحدة من أكثر الملفات حساسية. فترامب يعتبر بولسونارو حليفًا أيديولوجيًّا، ويستغل ملفه كأداة ضغط سياسية ضد حكومة لولا، الأمر الذي يهدد بتقويض أي تقارب دبلوماسي بين واشنطن وبرازيليا.
تعود جذور الأزمة الحالية إلى يوليو الماضي، حين أعلن ترامب فرض رسوم جمركية بنسبة 50% على السلع البرازيلية، متذرعًا بما وصفه "اضطهاد حكومة لولا لحلفائه السياسيين" و"محاولاتها لتقييد حرية شركات التكنولوجيا الأمريكية".
وفجّرت تلك الخطوة توترًا حادًّا بين البلدين، خاصة أن الاقتصاد البرازيلي يعتمد بشكل كبير على الأسواق الأمريكية في صادرات الصلب وفول الصويا والإيثانول.
ورغم اللقاء القصير بين ترامب ولولا على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر، فإن العلاقات الثنائية لا تزال تتأرجح بين التعاون الاقتصادي والعداء السياسي.
تخشى الولايات المتحدة من توجه برازيلي أعمق نحو الصين وروسيا في مجالات التكنولوجيا والطاقة، بينما يسعى لولا إلى الحفاظ على قدر من الاستقلالية في السياسة الخارجية دون خسارة الدعم الغربي.
وفي هذا السياق، تُعد المكالمة الأخيرة خطوة ضرورية لتجنب تصعيد اقتصادي قد يضر بالطرفين، خاصة في وقت يشهد فيه الاقتصاد الأمريكي تباطؤًا في قطاعي الصناعة والزراعة، فيما تبحث البرازيل عن مخرج من تباطؤ النمو وتراجع الاستثمارات الأجنبية.
لكن من غير الواضح حتى الآن ما إذا كان الطرفان قادرين على تجاوز البعد الأيديولوجي في علاقتهما. فبين رئيس يميني شعبوي يعيد صياغة السياسة التجارية الأمريكية وفق رؤيته الخاصة، ورئيس يساري يسعى لتثبيت نفوذه الداخلي وتوسيع حضوره الدولي، يبدو الطريق إلى “تطبيع العلاقات” طويلاً ومليئًا بالعقبات.
تبدو مكالمة ترامب ولولا أقرب إلى هدنة تكتيكية منها إلى مصالحة استراتيجية؛ فيدرك الطرفان أن التعاون الاقتصادي ضرورة، لكن التناقضات السياسية العميقة، من ملف بولسونارو إلى مستقبل شركات التكنولوجيا، تجعل من أي تقارب حقيقي عملية بطيئة ومليئة بالمقايضات.
وفي ظل اقتراب العام الانتخابي في البرازيل، واحتمال عودة النزعة الحمائية في واشنطن، فإن مستقبل العلاقات الأمريكية–البرازيلية سيظل رهينًا لمعادلة دقيقة: كيف يمكن لكل طرف أن يربح دون أن يبدو وكأنه تراجع أمام الآخر.