وجدت منصة "تيليغرام" نفسها فجأة أمام اختبار قاسٍ؛ إذ إن تجميد سندات بقيمة 500 مليون دولار داخل روسيا، أعاد طرح السؤال من جديد: إلى أي مدى يمكن فصل التكنولوجيا عن السياسة في زمن العقوبات؟
وبحسب "فايننشال تايمز"، فإن التجميد الناتج عن العقوبات الغربية المفروضة على مستودع التسويات الروسي عقب غزو أوكرانيا، كشف أن جزءا معتبرا من الهيكل المالي لـ"تيليغرام" ما زال عالقا داخل النظام المالي الروسي، رغم محاولات مؤسسها بافيل دوروف العلنية للنأي بنفسه عن بلاده الأم، وتعزيز قدرته على الوقوف خارج الاستقطاب الجيوسياسي، ورفضه المتكرر لأي اتهامات بارتباطه بالكرملين.
اللافت أن الأزمة لا تأتي في لحظة ضعف تشغيلي؛ فالشركة حققت نموا قويا في الإيرادات، وراكمت احتياطات نقدية كبيرة، وبدأت أخيرا في جني ثمار نموذج الإعلانات والاشتراكات، غير أن نصف مليار دولار مجمّدة لا تعد مجرد رقم محاسبي، بل عقدة قانونية وسياسية تُربك إدارة الديون وتقيّد هامش المناورة، خصوصا مع سعي "تيليغرام" للتحضير لطرح عام أولي مؤجّل أصلًا بفعل ملاحقات قضائية في فرنسا.
وفي هذا السياق، تبدو العقوبات وكأنها تضرب في صميم الرواية التي بنى عليها دوروف صورة "تيليغرام"، باعتبارها منصة حرّة وعابرة للحدود ولا تخضع لإملاءات الدول؛ خصوصا أن تجميد الأصول يُعدّ صادماً بشكل خاص لدوروف، الذي سعى في السنوات الأخيرة إلى النأي بنفسه عن روسيا، موطنه الأصلي، منتقداً التكهنات التي تربطه بالكرملين وواصفا إياها بـ"نظريات المؤامرة"، كما امتنعت شركة "تيليغرام" عن التعليق بشأن هذه القضية.
وكشفت مصادر أن الشركة تحاول التقليل من أثر الصدمة، مؤكدة التزامها بسداد السندات عند استحقاقها، وترك مسألة تحويل المدفوعات لحامليها داخل روسيا لجهات الإيداع والدفع، لكن هذه المقاربة لا تلغي الحقيقة الأوسع؛ فـ"تيليغرام" تقف اليوم عند تقاطع حساس بين الطموح المالي والواقع الجيوسياسي، في وقت لم يعد فيه النمو السريع ولا الأرباح التشغيلية كافية لتجاوز القيود التي تفرضها العقوبات الدولية.
وبينما لا تختبر أزمة السندات المجمّدة متانة الوضع المالي لـ"تيليغرام" فحسب، فإنها تضع ادعاء الاستقلالية السياسية ذاته تحت المجهر، في عالم باتت فيه التكنولوجيا، مهما ادّعت الحياد، جزءا لا ينفصل عن صراعات النفوذ والقانون.