رفعت حادثة اغتيال علي لاريجاني، رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، منسوب الانتشاء في إسرائيل إلى ذروته.
ورغم احتفاء إسرائيل على لسان مسؤوليها بالإنجاز التاريخي بعد اغتيال لاريجاني، دارت محادثات بالغة القلق خلف الأبواب المرصدة، حذرت من ولادة قنبلة من رحم الهزيمة الإيرانية.
وكشف الصحفي سيلفان سيبيل في تقرير نشرته صحيفة "لوريان لوجور"، بعضًا من هذه الكواليس مستندًا إلى تحليلات محللي الأمن الإسرائيليين البارزين والمصادر الاستخباراتية التي تحدثت لوسائل إعلام أمريكية وبريطانية.
"قتلنا كل قادة حماس.. والحركة لا تزال هنا"
وافتتح التقرير بتساؤل طرحه الصحفي العسكري أموس هاريل في صحيفة هآرتس: "منذ يونيو 2025، قُتل أكثر من نصف كبار القيادات الإيرانية من مرشد أعلى ومستشارين وقادة عسكريين وعلماء نوويين، لكن ما الذي جنته إسرائيل فعليًا؟".
وأضاف هاريل: "منذ عشرين عامًا، قتلنا جميع قادة حماس المتعاقبين. الحركة لم تختفِ. محمد ضيف وآل سنوار أُغتيلوا، وحماس باقية. والنظام الإيراني أقوى بكثير من حماس"، ثم يستنتج هاريل: "النظام في طهران أبدى صمودًا وإرادة قتالية لافتَين".
ووفق التقرير، فإن هذا ليس الرأي الذي يرغب بنيامين نتنياهو في سماعه، ولا ما يريد الإسرائيليون سماعه. لكنه الرأي الذي يدور في الكواليس.
الكابوس النووي
وأشار إلى أن أشد المخاوف التي تُقضّ مضاجع المحللين الإسرائيليين لا تتعلق بالحاضر، بل بما قد تُفرزه الهزيمة الإيرانية من مستقبل".
وصرّح مسؤول رفيع سابق في الاستخبارات الإسرائيلية لمراسلة الغارديان في القدس: "مع علي خامنئي، المرشد الراحل، كنا نعرف تقريبًا كل شيء عن عملية اتخاذ قراره، وهو لم يتخذ قط قرار الاندفاع بكل ثمن نحو امتلاك القنبلة"، ثم أضاف التساؤل المقلق: "ماذا سيفعل ابنه مجتبى؟ من في موقعه قد يسعى إلى الحصول على قنبلة الآن؟".
من جهته، يصوغ يوآف روزنبرغ، النائب السابق لرئيس قسم الأبحاث في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، المعضلة بجلاء مروّع: "أسوأ سيناريو لهذه الحرب هو أن تنتهي دون أن تنجح إسرائيل في اجتثاث الترسانة النووية الإيرانية. الوضع سيكون أسوأ مما كان عليه".
ويؤكد: "أن النظام الإيراني مُهان، ولا يزال في السلطة، وسيرى في القنبلة النووية ضرورة وجودية لا رفاهية استراتيجية، وإذا أفلح في الحصول عليها، حتى لو لم يستخدمها، فإن هذه الحرب بأسرها ستُقرأ في التاريخ باعتبارها "فشلًا غربيًا" ذريعًا.
نتنياهو يتراجع.. لكن ببطء وبتحفظ
للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب، أقرّ نتنياهو في الثاني عشر من مارس بما يرفض الاعتراف به عادةً: "الأنظمة تسقط من الداخل"، أي أن الغارات الجوية وحدها لن تُسقط النظام الإيراني.
ويرى المراقبون في هذه العبارة اعترافًا ضمنيًا بأن "الأمل في إسقاط النظام كان يرتكز على تفاؤل مفرط"، و"إسرائيل مضطرة الآن لتخفيض سقف توقعاتها"، كما كتب أموس هاريل.
وفي "واشنطن بوست"، نقل المعلق الدولي المخضرم ديفيد إيغناتيوس عن مسؤولين إسرائيليين رفيعين "يبدؤون في التعبير عن قلقهم إزاء التصعيد والمدة غير المحددة للهجوم على إيران".
وأوضح أحدهم: "لا أحد يريد قصة بلا نهاية. نريد إسقاط النظام، لكن هذا ليس هدفنا الوحيد. إيران لن تستسلم، لكن بإمكانها إرسال إشارات لقبول وقف إطلاق النار".
وختم هذا المسؤول الإسرائيلي الذي رفض الكشف عن هويته بعبارة تختصر المشهد كله: "نخشى تحولًا من طراز غزة، حيث تجد إسرائيل نفسها في حرب واحتلال بلا أهداف واضحة".
إيران ليست غزة
يضرب المحللون أرقامًا صارخة لتوضيح هول المخاطرة: إسرائيل لم تنجح في "اجتثاث حماس" في قطاع غزة البالغة مساحته 365 كيلومترًا مربعًا والذي يسكنه 2.5 مليون نسمة.
ويضيف المحللون: "إيران دولة تمتد على مليون ونصف مليون كيلومتر مربع، أي 3740 ضعف غزة، ويسكنها 93 مليون إنسان، أي 66 ضعف سكان غزة. أي عملية برية في إيران ستعني مستنقعًا تاريخيًا لا قرار له".
يختتم الكاتب سيبيل بملاحظة فلسفية عميقة: الجنرال البروسي كارل فون كلاوزفيتز قال: "الحرب امتداد للسياسة بوسائل أخرى"، لكن نتنياهو يُطبّق العكس: "السياسة هي امتداد الحرب بوسائل أخرى"، المبدأ: اضرب أولًا وقرر لاحقًا.
وهذا المنطق يحظى بتأييد 93% من اليهود الإسرائيليين وفق استطلاع المعهد الإسرائيلي للديمقراطية الصادر في التاسع من مارس، في حين لا يؤيد الحرب على إيران سوى 27% من الأمريكيين وفق استطلاع رويترز.
ووفق المحللين، فإنه هنا يكمن التناقض الأكثر خطورة، وهي حرب مشتركة بين جيشين، لكن بمجتمعين يعيشان في كوكبين متباينين من المدركات والأولويات.