رأى خبراء في العلاقات الدولية والشأن اللاتيني أن الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ديلسي رودريغيز تعتمد نهجاً سياسياً يهدف إلى تجاوز المرحلة الراهنة، لا سيما في تعاملها مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عبر الموازنة بين طرح مبادرات باتجاه الولايات المتحدة، وفي الوقت ذاته رفض منح واشنطن نفوذاً مباشراً على مقاليد الحكم أو السيطرة الكاملة على قطاع النفط في بلادها.
وأوضح الخبراء، في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن سلوك رودريغيز حتى الآن يعكس انتهاجها سياسة يمكن توصيفها بـ"المناورة غير القاتلة" مع واشنطن، مستفيدة من معطيات داخلية تخدم موقعها، أبرزها تراجع زخم المعارضة عقب تصريحات ماريا ماتشادو وموقف ترامب منها، إضافة إلى تمتعها بصورة دولية أفضل مقارنة بالرئيس نيكولاس مادورو، إذ لا تواجه اتهامات مرتبطة بالمخدرات أو الإرهاب، ولا تخضع لدعاوى قضائية داخل الولايات المتحدة.
وأكدت رودريغيز أخيراً أنه "لا يوجد أي عميل خارجي يحكم فنزويلا"، مشددة على أن الحكومة في كراكاس هي من تدير شؤون الدولة، وأن الشعب الفنزويلي ما زال صامداً ومستعداً للدفاع عن الوطن، ولن يستسلم للضغوط.
وبالتزامن مع ذلك، كشف وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، أمام أعضاء الكونغرس، عن خطة ثلاثية طويلة الأمد للتعامل مع فنزويلا، تضع النفط في صدارة المرحلة الأولى بوصفه أداة ضغط إستراتيجية، قبل الانتقال إلى إعادة بناء الاقتصاد وإحداث فصل سياسي في البلاد، في خطوة قال إنها تعكس جدية الإدارة الأمريكية في إدارة مرحلة ما بعد اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.
وقال أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورج واشنطن، الدكتور نبيل ميخائيل، إن ديلسي رودريغيز باتت رئيسة فعلية للبلاد، لكنها تواجه صعوبات جمة وتحديات غير مسبوقة، مشيراً إلى أن المسألة لا تتعلق فقط بترتيب الأوضاع في مرحلة ما بعد مادورو، بل بكيفية إدارة الحكم في ظل وجود أمريكي سياسي وعسكري.
وأوضح ميخائيل، لـ"إرم نيوز"، أنه حتى الآن، ومع وجود رودريغيز، لم يطرأ أي تغيير جوهري على النظام في فنزويلا، لكونها تترأس التنظيم الحاكم للدولة، وهو الحزب الاشتراكي الموحد، ما يجعلها رئيسة شرعية، ليس على الصعيد الداخلي فحسب، بل أيضاً أمام المجتمع الدولي.
وأشار إلى أن رودريغيز تواجه بالفعل مجموعة من التحديات، من بينها تعقيدات المرحلة الجديدة بعد مادورو، والواقعة التي جرت السبت الماضي، إلى جانب ما يشهده الداخل من تطورات وضغوط متعددة، لافتاً إلى أن رهانها في المرحلة الحالية يتمثل في تجاوز هذه المحطة المتداخلة، والبحث عن سبل تيسير الأمور داخلياً ومع محيطها الخارجي.
وأفاد ميخائيل بأن أبرز القضايا التي تواجه رودريغيز في الوقت الراهن، بعد توليها رئاسة البلاد بشكل مؤقت، تتمثل في مخططات استغلال النفط والثروات المتعددة في فنزويلا، في ظل ما تمتلكه من احتياطي نفطي عالمي ضخم، وهو ما قد يدفعها إلى صدامات مع إدارة ترامب.
وتابع أن رودريغيز تمتلك أدوات سياسية، باعتبارها رئيسة شرعية في الداخل وأمام العالم، إلا أن إعلاءها لمصالح بلادها قد يضعها في مواجهة مباشرة مع إدارة ترامب، لا سيما في ملف النفط، ما يجعل مهمتها بالغة الصعوبة.
بدوره، أكد الباحث في الشأن اللاتيني، علي فرحات، أن المؤشرات حتى الآن تُظهر أن النظام الفنزويلي وقيادته يلتفون حول رودريغيز، في وقت تحمل فيه التصريحات الأمريكية تناقضاً واضحاً بشأن تقييم وضع الرئيسة الانتقالية، وما إذا كانت على وفاق مع واشنطن أم مستمرة في نهج مادورو.
وأضاف أن من المفارقات أن ترامب صرّح، مؤخراً، بأن رودريغيز تحدثت مع ماركو روبيو ووافقت على المطالب الأمريكية، لكنه في اليوم التالي هدّدها، وفرض عليها شروطاً محددة، ومنحها مهلة زمنية، ملوّحاً بأنها قد تواجه ما تعرض له الرئيس المختطف إذا لم تحقق المصالح الأمريكية.
وأوضح فرحات، في حديث لـ"إرم نيوز"، أن رودريغيز تتعامل بمنهجية تهدف إلى تجاوز هذه المرحلة الفاصلة، قائمة على توازن عقلاني، بحيث لا تقدّم فنزويلا لترامب، وفي الوقت نفسه لا تنتهج سياسات خاصة في هذا التوقيت الحساس، حتى لا يظهر بديل داخلي تفرضه واشنطن يجعل فنزويلا مباحة ومباعة.
وتابع أن هذا يتضح في مبادراتها باتجاه الولايات المتحدة، مع رفضها تسليم مقاليد الحكم أو السيطرة الكاملة على النفط.
وأشار فرحات إلى أن التشكيك في رودريغيز داخلياً لا يشكل حتى الآن مسار اهتمام حقيقي، إذ لم تصدر القاعدة الشعبية أو العسكرية أي إشارات توحي بوجود خلاف، بل على العكس، يبدو أن الجميع يقف خلفها، ويعتقد كثيرون أنها أكثر ارتياحاً من مادورو لعدة أسباب، أولها عدم وجود اتهامات تتعلق بالمخدرات أو الإرهاب ضدها، وثانياً عدم وجود دعاوى قضائية في الولايات المتحدة، وثالثاً كونها امرأة، ما يصعّب على واشنطن تكرار سيناريو عملية كوماندوز لاختطاف رئيسة أخرى لما قد يسببه ذلك من صدمة عالمية واسعة.
وأشار فرحات إلى أن الظروف الداخلية في فنزويلا تخدم رودريغيز بشكل واضح، خاصة مع تراجع قوة المعارضة بعد تصريحات ماريا ماتشادو التي أعلنت فيها تأييدها للهجوم الأمريكي، ما أضعف موقفها داخلياً بشكل كبير، وزاد من ضعف المعارضة ما قاله ترامب عنها بأنها شخصية لا تحظى بالاحترام الكامل في فنزويلا، وهو ما أصاب "ماتشادو" في مقتل.
وأفاد بأن الظروف الخارجية أيضاً تصب في صالح رودريغيز، إذ تمتلك القدرة على المناورة مع واشنطن، لافتاً إلى أنه لا يمكن الجزم بوجود قنوات اتصال خاصة أو تنسيق مسبق مع الأمريكيين، إلا أن المؤشرات حتى الآن لا تدل على ذلك، لكنها تمتلك فرصة حقيقية لتكون رئيسة انتقالية فعلية، إذا استمر الدعم الداخلي لها، خاصة من القاعدة الشافيزية، واستمرت في سياسة المناورة غير القاتلة مع الولايات المتحدة.