في تحول جذري يعكس عقلية "رجل الصفقات" في البيت الأبيض، تبرز غرينلاند كهدف استراتيجي لإدارة ترامب، ولكن عبر بوابة الاستحواذ الاقتصادي لا الغزو العسكري.
وبينما يظل التلويح بالقوة خياراً قائماً في أدبيات واشنطن، إلا أن التوجه الحالي يميل نحو "شراء السيادة"، في محاولة لضم الجزيرة الغنية بالموارد دون تحمّل كلفة الحروب التقليدية أو الصدامات الدبلوماسية العنيفة مع القارة العجوز. هذا التحول يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل تنجح المحفظة الأمريكية فيما قد تعجز عنه الدبابة في بيئة القطب المتجمد؟"
وفي إحاطة سرية للكونغرس الاثنين، كشف وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن هدف الإدارة هو شراء غرينلاند من الدنمارك، نافيًا أي خطط لغزو وشيك. ووفقًا لما نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال". وهذا التصريح يتناقض ظاهريًا مع التهديدات العسكرية المتكررة، لكنه يكشف عن استراتيجية أكثر تعقيدًا.
وكشف مسؤول أمريكي رفيع، تحدث شريطة عدم ذكر اسمه، أن الرئيس ترامب وجّه فريقه لبحث مسارات اقتصادية مبتكرة لضم غرينلاند، تتراوح بين الشراء المباشر أو إبرام اتفاقية "الارتباط الحر" (COFA).
وأوضح المسؤول أن هذا التوجه ينبع من إيمان ترامب بأن "الدبلوماسية وصنع الصفقات" هما الخيار الأول دائماً في أجندته، مشيراً إلى أن الرئيس يفضل مقاربة الأزمات الجيوسياسية بعقلية المستثمر الذي يبحث عن صفقة رابحة قبل اللجوء إلى أي خيارات أخرى.
اتفاقية (COFA)، التي تطبقها الولايات المتحدة حاليًا مع جمهورية جزر مارشال، وولايات ميكرونيزيا الموحدة، وجمهورية بالاو، توفر للدول المساعدات المالية والدفاع عن سلامتها الإقليمية. هذا النموذج سيمنح واشنطن نفوذًا عسكريًا واقتصاديًا واسعًا دون الحاجة لضم غرينلاند رسميًا.
وفقًا لتحليل نشرته "ذا إيكونوميست"، فإن الاستراتيجية الأمريكية ذات شقين: أولاً، رعاية عناصر داخل حركة استقلال غرينلاند وتعميق الانقسامات مع الدنمارك. ثانيًا، إبرام صفقة تتجاوز الدنمارك تمامًا، بمعاملة غرينلاند ككيان منفصل.
الغزو العسكري لغرينلاند سيعني نهاية حلف "الناتو" كما نعرفه. رئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسن حذرت بوضوح: "إذا اختارت الولايات المتحدة مهاجمة دولة عضو أخرى في الناتو عسكريًا، فإن كل شيء يتوقف، بما في ذلك الناتو والأمن الذي تم توفيره منذ نهاية الحرب العالمية الثانية".
هذا السيناريو سيترك الولايات المتحدة معزولة دبلوماسيًا، وسيدمر 75 عامًا من التحالف الأطلسي، وهو ثمن باهظ حتى بالنسبة لإدارة ترامب التوسعية.
في تقرير نُشر مؤخرا، حذر البنك المركزي الدنماركي من أن الاقتصاد الغرينلاندي يواجه "تحديات كبيرة"، مع تباطؤ النمو وتدهور حاد في المالية العامة. يشير التقرير إلى انخفاض مخزونات الروبيان الحيوية، وتراجع الأرباح من الشركات الحكومية، مع انخفاض السيولة في خزينة غرينلاند إلى مستوى حرج.
من المتوقع أن ينكمش عدد سكان غرينلاند، البالغ 56,699 نسمة، بنسبة 20% بحلول 2050، مما يزيد الضغوط على اقتصاد يكافح بالفعل. هذا الواقع القاسي يجعل العرض الاقتصادي الأمريكي أكثر جاذبية من أي وقت مضى.
ترامب لا يخفي استراتيجيته في اللعب على رغبة الغرينلانديين في الاستقلال عن الدنمارك. وفقًا لمجلة "ذا ويك"، عرض ترامب بالفعل "استثمار مليارات الدولارات لخلق وظائف جديدة وجعلهم أغنياء"، وهو عرض قد يبدو مغريًا لشعب يبلغ ناتجه المحلي الإجمالي أقل من 3 مليارات جنيه إسترليني ويعتمد بشكل ساحق على صيد الأسماك والإعانات من كوبنهاغن.
وفقًا لتقييم أجرته وزارة الخارجية الأمريكية بناء على طلب فريق روبيو، فإن الوصول إلى موارد غرينلاند سيكون مكلفًا للغاية نظرًا لدرجات الحرارة الباردة ونقص البنية التحتية.
الجزيرة، التي تبلغ مساحتها 836,000 ميل مربع، هي 4 أضعاف حجم فرنسا ومغطاة بالجليد في معظمها، مما يجعل الاحتلال العسكري كابوسًا لوجستيًا.
وفقًا لوسائل الإعلام الدنماركية، حذرت خدمة الأمن والاستخبارات الدنماركية (PET) غرينلاند من أنها هدف "لحملات تأثير من أنواع مختلفة"، وأن أمريكيين لهم علاقات بترامب نفذوا عمليات تأثير سرية في غرينلاند.
ويقول فيليكس كارتي، خبير السياسة الرقمية الذي قدم المشورة لمؤسسات الاتحاد الأوروبي: "هذا يشبه ما فعلته روسيا للتأثير على النتائج السياسية في دول مثل مولدوفا ورومانيا وأوكرانيا".
السيناتور الأمريكي جون فيترمان قال، إن الاستحواذ على نفس النموذج المستخدم في شراء لويزيانا أو ألاسكا سيكون "محادثة معقولة". كما أشار عضو برلمان غرينلاند كونو فينكر إلى أن اتفاقية "COFA" مع الولايات المتحدة والدنمارك ممكنة، قائلاً: "اقتصاد غرينلاند يحتاج إلى التنويع".
لكن بافل ديفياتكين، الزميل في معهد كوينسي، يرى أن "المصالح الأمنية والاقتصادية المشروعة لأمريكا يمكن خدمتها بشكل أفضل من خلال شراكة محترمة بدلاً من الاستحواذ العدواني". ويضيف أن الولايات المتحدة تتمتع بالفعل بحقوق عسكرية واسعة بفضل اتفاقية الدفاع عن غرينلاند لعام 1951.
مسؤول أمريكي رفيع أكد أن ترامب مصمم على تحقيق هذا الهدف السياسي، قائلاً: "الأمر لن يختفي"، في إشارة إلى نوايا الرئيس خلال السنوات الثلاث المتبقية من ولايته.
الخيار الاقتصادي، رغم كونه أبطأ وأكثر تعقيدًا من الغزو العسكري، يوفر لواشنطن فرصة تحقيق أهدافها الاستراتيجية في القطب الشمالي دون تدمير علاقاتها مع حلفائها الأوروبيين أو تحمل التكاليف الباهظة للاحتلال العسكري. ما يعني أن المحفظة، قد تكون أقوى من الدبابة في هذه الحالة على الأقل على المدى الطويل.