logo
العالم

هدنة تكشف الهشاشة وتآكل الردع.. هل عجزت إيران عن تحمّل حرب طويلة؟

إيراني يحمل علم بلاده في قلب العاصمة طهرانالمصدر: أ ف ب

لم يكن اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران مجرد خطوة لخفض التصعيد، بل بدا أقرب إلى لحظة كاشفة لطبيعة القدرة الإيرانية على تحمّل حرب مفتوحة.

فبعد أسابيع من المواجهة عالية الكلفة، جاءت الهدنة محدودة زمنياً وهشّة في شروطها، ما أعاد طرح سؤال مركزي داخل الأوساط العسكرية والبحثية: هل وصلت طهران إلى حدود قدرتها على الاستمرار؟

كلفة الحرب المرتفعة

تشير معطيات متقاطعة في تقارير رويترز وأسوشيتد برس إلى أن الحرب ألحقت أضرارًا واسعة بالبنية التحتية الإيرانية، خصوصًا في قطاع الطاقة والصناعات المرتبطة به، ما انعكس مباشرة على الاقتصاد وقدرته على الصمود.

كما أسهم التوتر في مضيق هرمز في اضطراب أسواق الطاقة، قبل أن تضطر إيران إلى القبول بإعادة فتحه ضمن شروط التهدئة، في مؤشر على أن أدوات الضغط التي استخدمتها لم تكن قابلة للاستمرار دون كلفة مرتدة.

تراجع القدرة العسكرية

في الميدان، تكشف التقديرات أن وتيرة الضربات الصاروخية الإيرانية تراجعت بشكل ملحوظ مع تقدم الحرب، وهو ما نقلته رويترز عن مسؤولين أمريكيين، وسط مؤشرات على استنزاف جزء من المخزون وتعطّل قدرات الإنتاج.

تحليلات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية "CSIS" تشير إلى أن الضربات الأمريكية والإسرائيلية لم تستهدف فقط منصات الإطلاق، بل ركزت على البنية الإنتاجية، ما حدّ من قدرة إيران على إعادة توليد القوة النارية بوتيرة مستدامة.

هذا التراجع لا يعني فقدان القدرة بالكامل، لكنه يكشف حدودها عندما تتحول المواجهة إلى حرب مفتوحة عالية الكثافة.

 

 

قراءة عسكرية: ردع يتآكل

في هذا السياق، يرى الخبير العسكري والاستراتيجي الأردني موسى القلاب أن ما جرى "يتجاوز مجرد خسائر ميدانية، ليصل إلى تآكل جوهري في بنية الردع الإيرانية" .


ويقول القلاب إن "إيران فقدت جزءًا كبيرًا من قدرتها على فرض معادلة ردع إقليمية، بعد استهداف عمقها العسكري والأمني والاقتصادي بشكل متزامن، وهو ما أدى إلى كسر ما يمكن تسميته بالعمود الفقري لمنظومة القوة الإيرانية".

ويضيف أن "النظام الإيراني دخل هذه الحرب برهانات استراتيجية قائمة على الصمود الطويل، لكنه وجد نفسه أمام معادلة مختلفة: كلفة تصاعدية لا يمكن ضبطها، وقدرة محدودة على الاستمرار، ما دفعه إلى القبول بتهدئة لم تكن ضمن حساباته الأولية".

وبحسب القلاب، فإن" النتيجة الأبرز للحرب ليست فقط الخسائر العسكرية، بل التحول في صورة إيران كقوة يصعب كسرها، إلى قوة يمكن اختراقها وضرب عمقها، وهو ما ينعكس مباشرة على مكانتها الإقليمية وعلى حسابات خصومها".

من التصعيد إلى التهدئة

اللافت أن إيران انتقلت بسرعة من خطاب التصعيد إلى قبول هدنة مؤقتة، في تحول يعكس تغيرًا في حسابات الكلفة والقدرة.

وتشير تحليلات المجلس الأطلسي ومجموعة الأزمات الدولية إلى أن مثل هذه الهدن القصيرة تُستخدم غالبًا كاستراحة لإعادة التقييم، لكنها قد تعكس أيضًا صعوبة الاستمرار في المواجهة بالشروط نفسها.

كما أن ثبات الشروط الأمريكية، خصوصًا في ما يتعلق بالبرنامج النووي، يعزز فرضية أن واشنطن نجحت في فرض إيقاع التهدئة دون تقديم تنازلات جوهرية.

 

 

اقتصاد يضغط.. وزمن لا ينتظر

إلى جانب العامل العسكري، يبرز العامل الاقتصادي كأحد أهم محددات القرار الإيراني.

تقارير رويترز تشير إلى أن الأضرار التي لحقت بقطاع الطاقة قد تترك آثارًا طويلة الأمد، في وقت تعاني فيه البلاد أصلًا من ضغوط العقوبات والتضخم.


وهذا الواقع يجعل أي حرب طويلة عبئًا مضاعفًا، ليس فقط على المستوى العسكري، بل على الاستقرار الداخلي أيضًا، ما يضع القيادة الإيرانية أمام خيارات أكثر تعقيدًا في المرحلة المقبلة.

حدود القوة

 لا تبدو الهدنة مجرد محطة عابرة، بل مؤشرًا على حدود القوة الإيرانية في مواجهة حرب مفتوحة. ذلك أن إيران ما زالت تمتلك أدوات للإيذاء، لكنها لم تعد قادرة على إدارة صراع طويل بالكثافة نفسها، فيما تكشف الحرب عن تراجع في القدرة الردعية وتزايد في الضغوط الاقتصادية.

وبينما تحاول طهران تقديم الهدنة كخيار تكتيكي، فإن المعطيات تشير إلى أنها قد تكون في الواقع استجابة لواقع جديد عنوانه أن إيران لا تستطيع تحمل حرب طويلة.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC