في مشهد لافت جمع الماضي بالحاضر، حضرت المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل مؤتمر حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU) في شتوتغارت الجمعة 21 فبراير 2026، لتُستقبل بتصفيق حار امتد قرابة دقيقة كاملة.
خلال استقبالها وقف كثير من المندوبين على أقدامهم، في مشهد كشف أكثر مما أخفى عن طبيعة العلاقة المعقدة بين ميركل وخلفها المستشار الحالي فريدريش ميرتس.
لسنوات طويلة، شكّلت ميركل وميرتس نموذجاً للخصومة السياسية داخل الحزب الواحد. فقد بنى ميرتس صورته السياسية على الوعد بجعل الحزب "مميزاً من جديد" بعيداً عن الخط الوسطي الذي رسخته ميركل على مدى 16 عاماً في السلطة.
غير أن المشهد في شتوتغارت قلب هذه المعادلة رأساً على عقب، حين وقف ميرتس على المنصة ليقول بصوت مسموع: "العزيزة أنجيلا، مرحباً بك في شتوتغارت".
ووفقاً لمجلة "بوليتيكو" في خطاب ميرتس لخّصت هذا الجملة الواحدة التحول، إذ أعلن أنه "اتخذ قراراً نهائياً بالسعي للحصول على الدعم لسياساته من الوسط السياسي حصراً"، في تراجع لافت عمّا كان عليه قبل عام فقط.
في مطلع عام 2025، وعلى أعتاب الانتخابات الفيدرالية، قدّم ميرتس مقترحاً لتشديد سياسة الهجرة لم يمرّ في البرلمان إلا بأصوات حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) اليميني المتطرف، وهو ما يُعدّ من أشد المحظورات في السياسة الألمانية حيث تتمسك الأحزاب الرئيسية بـ"جدار الحماية" (Firewall) ضد أي تعاون مع هذا الحزب".
آنذاك خرجت ميركل عن صمتها المعتاد منذ مغادرة السلطة لتنتقد خطوة ميرتس صراحةً، فيما اجتاحت موجة احتجاجات شعبية واسعة الشارع الألماني. واليوم، يبدو ميرتس وقد استوعب الدرس، عائداً إلى الوسط الذي طالما انتقده. ولم يفت المراقبون الإشارة إلى أن ميركل تلقّت هذه الانعطافة "بارتياح صامت".
لم يفوّت منتقدو ميرتس الفرصة، فابتكروا على الفور مصطلح "ميرتسيل"، وهو دمج ساخر بين اسمَي ميرتس وميركل، للتندر على التقارب المتصاعد بين الرجل وسلفه.
لكن الحزب من الداخل يبدو غير مكترث بهذه السخرية؛ إذ أعاد 91% من المندوبين انتخاب ميرتس رئيساً للحزب في شتوتغارت، وهي نسبة تفوق ما حصل عليه حليفه مارك زودر رئيس الحزب الاشتراكي المسيحي البافاري (CSU)، فضلاً عن نائب المستشار لارس كلينغبايل من الحزب الاشتراكي الديمقراطي.
وتؤكد "بوليتيكو" أن الحسابات الانتخابية هي ما تفسّر جزءاً من هذا التحول، فانتخابات ولاية بادن-فورتمبرغ المقررة في الثامن من مارس المقبل قد تستدعي استقطاب ناخبي الوسط واليسار الوسطي، وهم الشريحة التي تتحدث إليها صور ميركل بفاعلية أكبر مما تفعله صور ميرتس وحده.
وأشارت إلى أنه رغم مغادرة ميرتس شتوتغارت في النهاية منتصراً بأرقام قوية، فإن ميركل أيضاً تستطيع أن تدّعي انتصاراً هادئاً وإن كان متأخراً.