في مؤشر متصاعد على حجم الاختراق الذي يواجهه النظام الإيراني، كشفت تقارير إعلامية غربية، أبرزها موقع "أكسيوس"، أن كبار القادة في طهران بدأوا تقليص استخدام وسائل الاتصال الرقمية إلى الحد الأدنى، واللجوء إلى أنماط تواصل بدائية، في محاولة لتفادي الرصد والاستهداف.
لكن هذا التحول، وفق تقديرات بحثية، لا يعكس فقط إجراءً أمنياً احترازياً، بل يكشف عن أزمة أعمق تتجاوز التكنولوجيا إلى بنية القرار داخل النظام.
في هذا السياق، يوضح الباحث والخبير في الشأن الإيراني محمد صالح الفتيح أن إيران تواجه خللاً بنيوياً في منظومة الاتصالات، مشيراً إلى أن "ما يحدث امتداد لمشكلة ظهرت في حروب سابقة، سواء داخل إيران أو لدى حلفائها" .
ويقول إن الفجوة التقنية مع الولايات المتحدة وإسرائيل أصبحت حاسمة، إذ تعتمد هذه الدول على اتصالات لاسلكية مشفرة مرتبطة بالأقمار الصناعية، بينما اضطرت إيران إلى التراجع نحو الشبكات السلكية، باعتبارها أقل عرضة للاختراق عن بعد.
هذا التحول جاء بعد اختراقات متكررة، شملت أجهزة اتصال غير تقليدية وتطبيقات مشفرة شائعة، ما دفع القيادات الإيرانية إلى التخلي شبه الكامل عن هذه الوسائل.
ورغم أن الشبكات السلكية توفر حماية نسبية، إلا أنها تفرض قيوداً خطيرة على الحركة.
وبحسب الفتيح، تعتمد هذه الشبكات على عقد ثابتة لا يمكن تغيير مواقعها بسهولة، ما يضطر القادة إلى الانتقال شخصياً إلى مقرات محددة لإيصال التعليمات. ويضيف أن هذا النمط يفسر استمرار استهداف واغتيال القيادات، حيث تتحول مراكز الاتصال نفسها إلى نقاط مكشوفة.
هذا الواقع يتقاطع مع تقديرات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS)، التي تشير إلى اعتماد نمط "التخفي"، عبر التنقل بين مواقع محددة وتقليل الاعتماد على أي وسيلة اتصال يمكن تتبعها.
غير أن التداعيات لا تتوقف عند الجانب التقني. إذ يشير الفتيح إلى أن ضعف الاتصالات انعكس مباشرة على عملية اتخاذ القرار، حيث ظهرت مؤشرات على غياب التنسيق بين المستويين العسكري والسياسي.
ويستشهد في ذلك بتناقضات خلال الحرب، مثل إعلان الحرس الثوري إغلاق مضيق هرمز، في وقت نفت فيه وزارة الخارجية ذلك، إضافة إلى حوادث ضربات نُسبت لإيران ضد تركيا وعمان وأذربيجان، ثم جرى نفيها، ما يعكس، وفق وصفه، "تحركاً عسكرياً منفصلاً عن القرار السياسي" .
كما تشير تقارير إلى صعوبات في التواصل داخل أعلى مستويات القيادة، بما في ذلك بين المرشد وبقية المؤسسات، وهو ما يعيد إلى الواجهة تجارب سابقة شهدت انقطاعاً مماثلاً في قنوات الاتصال.
في مواجهة هذا الواقع، لجأت إيران إلى منح صلاحيات أوسع للقيادات الميدانية، بحيث تتمكن الوحدات من العمل وفق خطط معدة مسبقاً دون انتظار أوامر مركزية.
هذه الاستراتيجية، وفق الفتيح، تضمن استمرار العمليات، لكنها تضعف القدرة على التكيف مع المتغيرات. ويشير إلى أن هذا النمط ساهم في خسائر ميدانية، من بينها استهداف معدات بقيت مكشوفة لفترات طويلة دون إعادة تموضع.
كما يظهر هذا الخلل في ضعف الاستجابة للضربات الجوية، وعدم صدور توجيهات فعالة لحماية القوات، رغم تغير طبيعة الهجمات.
تتقاطع هذه المعطيات مع تقديرات مراكز أبحاث غربية، مثل معهد واشنطن ومؤسسة RAND، التي ترى أن ما يجري يمثل انتقالاً إلى نمط عمل أقرب إلى "الشبكات السرية" ، مع تقليص البصمة الرقمية إلى الحد الأدنى.
لكن وفق قراءة الفتيح، فإن هذا التحول ليس خياراً استراتيجياً، بل نتيجة ضغط تقني واستخباراتي، فرض على النظام نمط عمل أقل كفاءة وأكثر عرضة للاختلال.