أثبتت الحرب الروسية-الأوكرانية أن البقاء في حروب القرن الحادي والعشرين مرهون بالقدرة على التكيّف السريع، لا بتفوق السلاح التقليدي وحده.
وفي هذا السياق، تمثل تجربة أوكرانيا نموذجًا عمليًّا وتحذيرًا مباشرًا لتايوان، التي تواجه بدورها بيئة أمنية متوترة وضغوطًا جيوسياسية متصاعدة: إمّا الابتكار السريع، أو تكبّد خسائر فادحة، وفق مجلة "The Diplomat".
تميّزت الحرب في أوكرانيا بتسارع غير مسبوق في تطوير واستخدام الأنظمة غير المأهولة، حيث تحولت الطائرات المسيّرة من أدوات مساندة إلى عمود فقري في العمليات العسكرية.
وقد مكّن هذا التحول كييف من تعويض اختلال ميزان القوى التقليدي، عبر الابتكار المستمر، والتجريب السريع، والتوسع الصناعي الهائل.
هذا الواقع دفع تايوان إلى النظر إلى التجربة الأوكرانية باعتبارها خريطة طريق للحرب غير المتكافئة. فوفق بيانات وزارة المالية التايوانية، قفزت صادرات الطائرات المسيّرة إلى 54.75 مليون دولار خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2025، بزيادة تفوق 11 ضعفًا مقارنة بعام 2024، في مؤشر على تسارع بناء منظومة محلية للطائرات بدون طيار.
رغم هذا التقدم، تبقى الفجوة واسعة بين تايوان وأوكرانيا. فالأخيرة تُنتج ما يُقدّر بنحو 4 ملايين طائرة مسيّرة سنويًّا، بينما تخطط تايوان لشراء نحو 48,750 طائرة مسيّرة عسكرية بحلول 2027.
ويُضاف إلى هذا التفاوت تحديات فريدة تواجه تايوان، أبرزها طبيعتها البحرية، وغياب العلاقات الحكومية الرسمية مع كييف، ما يقيّد التعاون التقني المباشر.
في ظل هذه القيود، بدأ التعاون التايواني-الأوكراني يتبلور عبر قنوات غير رسمية، خصوصًا من خلال القطاع الخاص.
ففي سبتمبر 2025، وُقّعت مذكرات تفاهم بين تحالف صناعة الطائرات المسيّرة التايواني ومركز التكنولوجيا الدفاعية الأوكراني، إلى جانب اتفاقيات أخرى شملت شركاء بولنديين.
هذه الخطوات، رغم محدوديتها، تمثل نقطة انطلاق لتعاون أوسع في مجالات التصنيع المشترك، وتبادل الخبرات، والتسويق الدفاعي، لكنها لا تُخفي وجود عوائق سياسية وصناعية وتقنية لا تزال قائمة.
أحد أبرز دروس التجربة الأوكرانية هو أن دورة تفوق التكنولوجيا قصيرة للغاية. فالتقنيات التي تصمد ستة أشهر في ساحة المعركة لم تعد اليوم فعّالة سوى لأسابيع قليلة.
ولهذا، تعتمد أوكرانيا على حلقات تغذية راجعة مباشرة من الوحدات الميدانية، حيث أفادت 75% من شركات الطائرات المسيّرة الأوكرانية بأنها تجمع ملاحظات المستخدمين بشكل يومي أو منتظم.
في المقابل، تمتد دورات الشراء العسكري في تايوان بين عام وثلاثة أعوام، دون آليات مرنة للتحديث السريع، ما يبطئ وتيرة التطوير ويُضعف القدرة التنافسية للتكنولوجيا المحلية.
اعتمدت أوكرانيا مسارين متكاملين لتعزيز صمودها الصناعي: التوطين والإنتاج المشترك. فقد نجحت في تصنيع 95% من طائراتها المسيّرة محليًا، ووسعت قاعدة موردي المكونات الأساسية.
ومع ذلك، لا تزال تعاني من اختناقات في أشباه الموصلات، والإلكترونيات الدقيقة، والبطاريات، والمغناطيسات، وهي مجالات تهيمن الصين على سلاسل توريدها.
وقد كشفت القيود الصينية على تصدير مكونات الطائرات المسيّرة منذ 2023 عن خطورة الاعتماد على سلاسل توريد احتكارية، ما دفع كييف إلى تسريع مساعي الاكتفاء الذاتي.
بالنسبة لتايوان، يتقاطع هذا التحدي مع برامجها الوطنية لتطوير صناعة الطائرات المسيّرة (2025-2030)، التي تركز على أنظمة التحكم، والملاحة، ورقائق الاتصالات، والبرمجيات، مستفيدة من تفوقها العالمي في أشباه الموصلات.
يمتلك الطرفان عناصر تكامل واضحة. فتايوان قادرة على توفير إلكترونيات دقيقة وسلاسل تصنيع عالية الاعتمادية، بينما تمتلك أوكرانيا خبرة قتالية ميدانية لا تُقدّر بثمن في تطوير الطائرات المسيّرة واختبارها تحت النار.
تشير بيانات بحثية إلى أن معظم صادرات تايوان من الطائرات المسيّرة إلى دول مثل بولندا وجمهورية التشيك تُعاد توجيهها لاحقًا إلى أوكرانيا، كما تعتمد عدة شركات أوكرانية بالفعل على مكونات تايوانية في هياكل الطائرات، والمحركات، والبطاريات، وأنظمة التحكم.
رغم غياب قنوات رسمية بين تايبيه وكييف، فإن أطر التعاون الصناعي القائمة قد تشكّل أساسًا عمليًا لتوسيع الشراكة مستقبلًا؛ فبالنسبة لأوكرانيا، يوفّر الوصول إلى منظومة الإلكترونيات التايوانية مخرجًا من تقلبات سلاسل التوريد؛ وبالنسبة لتايوان، يتيح التعاون فرصة نادرة لبناء قطاع دفاعي مستند إلى خبرة حربية حقيقية.
تُظهر تجربة أوكرانيا أن تقليل الاعتماد على سلاسل التوريد الاحتكارية لم يعد خيارًا، بل ضرورة وجودية.
وبينما تعيد الحرب في أوروبا الشرقية تشكيل ملامح الصراع الحديث، تبدو الطائرات المسيّرة رهان تايوان الأول للبقاء، تمامًا كما كانت بالنسبة لأوكرانيا.
في عالم يتجه نحو مزيد من الاضطراب، قد لا يكون التعاون بين الطرفين مسألة مصلحة متبادلة فحسب، بل شرطًا أساسيًا للأمن والاستقلال الصناعي.