كشف عام 2025 عن مشهد دفاعي أوروبي متناقض: ازدهار واضح لشركات بعينها بفضل الإنفاق العسكري القياسي، يقابله تعثر استراتيجي خطير في مشاريع الدفاع المشتركة، خصوصاً تلك التي تقودها فرنسا؛ ما يطرح تساؤلات عميقة حول قدرة أوروبا على تحويل المال إلى قوة دفاعية متماسكة.
ففي وقت ضخت فيه الدول الأوروبية استثمارات غير مسبوقة في الذخائر والدبابات والدفاعات الجوية والسفن الحربية، برزت شركات مثل "راينميتال" الألمانية، و"ساب السويدية"، و"بي إيه إي سيستمز" البريطانية كأكبر المستفيدين، من خلال نمو قوي وعقود بمليارات اليوروهات، بينما بدت مشاريع التعاون الأوروبي الكبرى أقل قدرة على الصمود أمام الخلافات السياسية والصناعية.
وبحسب "ديفينس نيوز"، فإن "ساب" أنهت عام 2025 بسلسلة مكاسب لافتة، من بينها طلب فرنسي لطائرتي "غلوبال آي" للإنذار المبكر، واختيار بولندا غواصات "إيه 26"، إلى جانب صفقات مقاتلات "غريبين" وأنظمة دفاع جوي قصيرة المدى، وحزم حرب إلكترونية، وهذا الأداء دفع الشركة إلى رفع توقعات نمو مبيعاتها العضوية إلى ما بين 20-24%.
وفي المقابل، واصلت "راينميتال" توسيع نفوذها الدفاعي بوتيرة متسارعة، مع عقود ضخمة لتوريد مركبات وذخائر للجيش الألماني، وأنظمة مضادة للطائرات المسيّرة، إضافة إلى دخولها مجال السفن الحربية عبر شراء حوض سفن ألماني، وحصولها على عقد لتزويد القوات المسلحة الألمانية بمنظومة استخبارات فضائية، كما ارتفعت مبيعاتها الدفاعية بنسبة 28% خلال الأشهر التسعة الأولى من العام.
أما "بي إيه إي سيستمز" فقد استفادت من الجمع بين الطلب الأوروبي والاختراق الأمريكي، عبر صفقة فرقاطات "تايب 26" مع النرويج، وعقود كبيرة مع البحرية الأمريكية، إلى جانب دورها المحوري في صفقة بيع مقاتلات "يوروفايتر" إلى تركيا؛ ما انعكس في رفع توقعات المبيعات والأرباح.
وكشفت مصادر أن "إم بي دي إيه" شهدت بدورها عاماً قوياً، مدفوعة بأولوية الدفاع الجوي لدى الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، مع توسع إنتاج الصواريخ، واختيار منظومة الدفاع الجوي "إس إيه إم بي/ تي" الأوروبي بدلاً من باتريوت الأمريكي في الدنمارك، إلى جانب طلبات إضافية من فرنسا وإيطاليا لتعويض المخزونات.
وفي الوقت الذي واصل فيه برنامج "القتال الجوي العالميGCAP" الثلاثي بين بريطانيا وإيطاليا واليابان التقدم بهدوء نسبي، فإن البرنامج المنافس "القتال الجوي المستقبلي FCAS"، الذي يجمع فرنسا وألمانيا وإسبانيا، عانى من شلل متزايد بسبب الخلافات بين الشركاء الصناعيين الرئيسيين.
ويرى المراقبون أن التوتر بين داسو للطيران وإيرباص تحول إلى أزمة قيادة ورؤية، مع تشكيك علني في مستقبل المشروع، في وقت تسعى فيه داسو لفرض دور قيادي أكبر، مقابل تحفظات ألمانية وإسبانية. هذا الانقسام جعل أحد أهم المشاريع الدفاعية الأوروبية يبدو مهدداً، رغم الحاجة الملحة إليه.
وإلى جانب تعثر برنامج "القتال الجوي المستقبلي FCAS"، واجهت "نافال قروب" الفرنسية عاماً صعباً، بعد خسارتها عدداً من المناقصات الكبرى في كندا وبولندا والنرويج، لصالح منافسين أوروبيين وآسيويين.
ورغم استمرارها في تسليم فرقاطات لفرنسا واليونان، فإن غياب أي عقد تصديري كبير جديد في 2025، عكس تراجع قدرتها التنافسية في سوق يشهد طلباً متصاعداً.