أكد خبراء عسكريون وسياسيون لبنانيون أن الطرح الأوروبي القاضي بنشر قوات عسكرية على الحدود الجنوبية مع إسرائيل كبديل لقوات الطوارئ الدولية "اليونيفيل" التي ستنتهي مهامها قريبًا، بعد وجود دام في هذه المنطقة، لما يقرب من 5 عقود، مثيرٌ للقلق.
وأشاروا إلى أن هناك قلقًا حول قدرة القوات الأوروبية على تشكيل ردع حقيقي قادر على لجم إسرائيل، ومخاوف سيادية وأمنية خطيرة بأن تكون أداة ضغط على بيروت لصالح تل أبيب أو أن تغضّ الطرف عن الاعتداءات الإسرائيلية من الجهة الأخرى.
وأوضحوا في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن حاجة لبنان الحقيقية بعد اليونيفيل هي انتشار كامل للجيش والقوى الأمنية اللبنانية التي تملك الحصرية الشرعية على طول الحدود الجنوبية، وهو ما يعتبر رهان وجود للدولة التي يجب أن تحصِّن بُناها المؤسساتية وتصبح كاملة السيادة بكل ما تحمل من معنى وأن تحرر كافة الأراضي سواء المحتلة أو المتنازع عليها.
وخرجت تقارير إعلامية مؤخرًا، تتحدث عن وجود اهتمام من دول أوروبية بوجود عسكري أو مدني في إطار مهمة تطوير قدرات الأجهزة الأمنية اللبنانية، بالإضافة إلى أفكار تحتاج لتطوير بأن تحضر دول أوروبية بقوات لها في جنوب لبنان بديلًا عن قوات الطوارئ الدولية مع انتهاء مهمتها، وأن تكون مستنسخة عن اليونيفيل من حيث الصلاحيات وطبيعة العمل.
ويدور ذلك في سياق مراقبة وقف الأعمال العدائية على الحدود بين لبنان وإسرائيل والإبلاغ عن الانتهاكات لقرار 1701، ودعم الجيش اللبناني وانتشاره في الجنوب.
ومن المنتظر أن تبدأ قوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان "اليونيفيل" في تفكيك مقراتها خلال عام 2027، بعد التمديد الأخير من قبل مجلس الأمن، وذلك في ظل وجود قائم لها منذ عام 1978، ليتسرب القلق إلى لبنان، وسط بحث جدي عن بديل فاعل لحماية الحدود الجنوبية وذلك بالتزامن مع ترنح عمل لجنة "الميكانيزم".
ويقول المنسق السابق للحكومة اللبنانية مع قوات "اليونيفيل"، العميد منير شحادة، إنّه منذ أسابيع تسلّل القلق إلى لبنان على وقع حديث متزايد عن تحوّلات عميقة في المقاربة الدولية للحدود الجنوبية.
وأضاف: تطرح أوروبا، التي كثيرًا ما اختبأت خلف مظلة الأمم المتحدة، بصوت لافت وأحيانًا بوضوح صريح، فكرة انتشار قواتها العسكرية على طول الحدود، كبديل لآلية باتت مترنّحة، هي قوات الطوارئ الدولية "اليونيفيل" التي تستعد لإنهاء عملها بعد ما يقارب نصف قرن.
وذكر شحادة في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن هذا التحوّل لا يأتي من فراغ، بل هو نتيجة تراكم فشلٍ بنيوي في الميكانيزم القائم منذ عام 1978، والذي لم ينجح يومًا في تحقيق الهدف المعلن، أي حماية الحدود ومنع الاعتداءات.
وأكد: لم يعرف الجنوب اللبناني يومًا معنى الاستقرار الحقيقي، بل بقي تحت تهديد دائم وغاراتٍ دورية وانتهاكات موثّقة، كان آخرها وليس أخطرها أو أولها ما شهدته السنوات الأخيرة من قصف ممنهج، وعمليات اغتيال، وخروقات برية وجوية شبه يومية.
وبيّن شحادة أن اليونيفيل لم تكن يومًا قوة ردع حقيقية حيث إن صلاحياتها المحدودة، كونها خاضعة للبند السادس من قرارات الأمم المتحدة، لم تخوّلها استخدام القوة، وارتباطها بتوازنات سياسية دولية جعلها أقرب إلى قوة مراقبة بلا أسنان.
وأوضح: تحوّل وجودها مع مرور الوقت إلى غطاء شكلي لإسرائيل، التي واصلت انتهاك القرار 1701 على مرأى ومسمع من المجتمع الدولي، من دون مساءلة أو عقاب.
وتابع شحادة أن إسرائيل، الدولة الوحيدة في العالم التي تخرق قرارات مجلس الأمن وتُكافأ سياسيًّا، تعاملت مع اليونيفيل باعتبارها تفصيلًا إداريًّا لا أكثر في وقت لم تغادر فيه طائراتها الأجواء اللبنانية يومًا، ولم تتوقف دباباتها عن اختراق الخط الأزرق، ولم تُقابَل اعتداءاتها إلا ببيانات باردة.
واعتبر أن هذا السلوك ليس عارضًا، بل إنه جزءٌ من عقيدة إسرائيلية قائمة على الغطرسة وفرض الأمر الواقع بالقوة، ثم فرض الصمت الدولي لاحقًا.
ورأى شحادة أن الطرح الأوروبي القاضي بنشر قوات عسكرية على الحدود الجنوبية يُقدَّم ظاهريًّا كبديلٍ أكثر فاعلية من اليونيفيل، وكاستجابةٍ للفراغ المحتمل بعد انسحابها، لكن جوهر العرض يطرح أسئلة سيادية وأمنية خطيرة.
وتساءل: "هل سيكون لبنان أمام قوة ردع حقيقية قادرة على لجم إسرائيل، أو أمام نسخة أوروبية أكثر أناقة من العجز الدولي؟".
وعبر شحادة عن شعوره أن التجربة لا تبعث على الاطمئنان أمام العرض الأوروبي حيث إن دول القارة العجوز، رغم خطابها الحقوقي، أثبتت مرارًا خضوعها للإملاءات الأمريكية والإسرائيلية، خصوصًا عندما يتعلّق الأمر بأمن إسرائيل.
وقال إن بعض هذه الدول شاركت بشكل غير مباشر في إضفاء شرعية على الجرائم الإسرائيلية، عبر تبرير العدوان تحت عنوان "حق الدفاع عن النفس".
وحذّر شحادة من أن يتحوّل أي انتشار أوروبي إن حصل على الحدود، إلى أداة ضغط على بيروت لصالح تل أبيب، وأن تكون قوة تضبط الجنوب من جهة واحدة، وتغضّ الطرف عن الاعتداءات الإسرائيلية من الجهة الأخرى؛ ما يجعلها عمليًّا جزءًا من المشكلة لا من الحل.
ولفت إلى أن إسرائيل لا تتصرّف بدافع الخوف بغرض التفوّق، موضحًا أن إستراتيجيتها تقوم على ضرب البيئة المدنية، وتدمير البنى التحتية، وفرض معادلة الأمن بالقوة.
وأكد أن ما جرى في الجنوب ليس استثناءً، بل هو امتداد لسلوك عدواني موثّق، شمل قصف المنازل، واستهداف الصحفيين، وتدمير القرى، وتهجيرًا قسريًّا، وكل ذلك تحت غطاء دولي فاضح.
وذكر شحادة أن الأخطر يتمثّل في استثمار إسرائيل انهيار النظام الدولي نفسه، في ظل استغلالها عدم قدرة أو رغبة في فرض القانون، لتملأ هذا الفراغ بالنار.
وشدد على أن أي حديث عن بديل فاعل لحماية الحدود يجب أن ينطلق من هذه الحقيقة، ولا سيما أن المشكلة ليست في شكل القوة، بل في ميزان الإرادة السياسية.
وأشار شحادة إلى أن لبنان يقف اليوم أمام مفترق حساس، لأن ما بعد اليونيفيل لا يُعد مجرد تغيير تقني، بل لحظة سياسية كبرى، وبات الخيار بين إعادة إنتاج وهم الحماية الدولية، أو الاعتراف بأن أمن الجنوب لا يمكن فصله عن معادلة ردع حقيقية، سياسيًّا وعسكريًّا، تُجبر إسرائيل على احترام الحدود وليس الالتفاف عليها.
وأكد أنه حال استمرار العمل بمبدأ الإفلات من العقاب، فإن أي قوة دولية، مهما تغيّر اسمها أو علَمها، لن تكون سوى شاهد إضافي على غطرسة إسرائيل وإجرامها، وليس حاجزًا في وجهها.
بدوره، قال الباحث السياسي اللبناني، الدكتور ميشال الشماعي، إن لبنان وقّع من خلال رئيس الحكومة السابق، نجيب ميقاتي، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، اتفاق 27 نوفمبر 2024 ، لوقف الأعمال العدائية مع إسرائيل وتفكيك البنى العسكرية والأمنية لحزب الله وحصر السلاح غير الشرعي في يد الدولة ثم عادت جلسة لحكومة رئيس الوزراء الحالي، نواف سلام وأكدت هذا القرار في الـ5 من أغسطس 2025.
وشدد الشماعي في تصريحات لـ"إرم نيوز"، على ضرورة أن تنفذ الدولة اللبنانية ما تعهدت به أمام شعبها أولًا والمجتمع الدولي ثانيًا "حتى لا نصبح حينئذ في حاجة لقوات سلام للفصل على الحدود مع إسرائيل".
ورأى الشماعي أن الحاجة الحقيقية هي لانتشار كامل للجيش والقوى الأمنية اللبنانية التي تملك الحصرية الشرعية كما تم ضمن اتفاق وقف إطلاق النار، سواء الأمن العام وأمن الدولة والجمارك والبلدية وشرطة الحدود.
وأردف أن لبنان ليس في حاجة لقوات حفظ سلام إذا كانت هناك قوات لبنانية شرعية منتشرة على طول الحدود الجنوبية.
وبحسب الشماعي فإنه بعد اليونيفيل إمّا أن يكون لبنان "دولة" وإمّا ألا يستحق أن يكون كذلك، ولا سيما أن الجانب الإسرائيلي يبرر انتهاكاته كافة بهذه المسألة، أي أن الدولة لا تتحمل مسؤولياتها بالشكل الواجب، لذلك يقوم بما يجري من اعتداءات.
ونبه الشماعي إلى أن على الدولة اللبنانية أن تحصن بناها المؤسساتية وتصبح كاملة السيادة بكل ما تحمل من معنى وأن تحرر كافة الأراضي المحتلة والمتنازع عليها مع الدولة السورية، وعندها يتم التوصل إلى اتفاق تجديد للهدنة ويُبحث في المجلس النيابي حينئذ إمكانية التوصل لما هو أبعد من ذلك.