في تطور لافت لمسار الحرب، أعلنت وحدات أوكرانية تدمير مستودع روسي ضخم داخل منطقة كورسك، واصفة الموقع بـ"كهف علاء الدين" نظرًا لما احتواه من طائرات مسيرة وذخائر ومركبات خفيفة مخصصة لفرق تشغيل الدرونز.
ووفق ما نشره اللواء 80 المنفصل للهجوم الجوي، فقد أظهرت لقطات مصوّرة طائرة مسيرة أوكرانية تدخل منشأة التخزين وتتنقل بين المعدات قبل أن تصطدم بأحد الأهداف، لتلحق بها مسيّرة ثانية كررت العملية ذاتها.
ووفقا للمراقبين، فإن هذه العملية حملت رسالة مباشرة بأن العمق لم يعد بمنأى عن الاستهداف، خاصةً وأنها تأتي ضمن نمط متصاعد من العمليات التي تستهدف خطوط الإمداد ومخازن الذخيرة ومنصات إطلاق المسيّرات الروسية، بهدف تقليص القدرة الهجومية لموسكو بدل الاكتفاء بمواجهة القوات على خطوط التماس.
وتراهن كييف على أن نقل الضغط إلى الداخل الروسي سيُربك الحسابات العسكرية، ويُضاعف كلفة الحرب سياسيًا واقتصاديًا، خاصة إذا تكررت الضربات على مخازن ومراكز حيوية مماثلة.
وعلى وقع هذه العملية، يبقى السؤال، هل تمثل هذه الضربة بداية مسار تصعيدي أوسع تنقل فيه أوكرانيا المعركة إلى قلب الأراضي الروسية بشكل ممنهج.
وأكد أبو الرب، رئيس المركز الأوكراني للتواصل والحوار، أن أوكرانيا تنظر إلى الضربات التي تستهدف ما يُوصف بـ"كهف علاء الدين" الروسي باعتبارها جزءًا من تحول استراتيجي في إدارة الصراع، يقوم على مبدأ نقل الضغط من حدود التماس إلى العمق الروسي، وعدم الاكتفاء برد الفعل الدفاعي التقليدي.
وقال أبو الرب لـ"إرم نيوز"، إن هذا التوجه لا يعني السعي إلى التصعيد بقدر ما يعكس محاولة لإعادة التوازن إلى معادلة الردع، في ظل الهجمات المتكررة التي تستهدف منشآت الطاقة والبنية التحتية الحيوية داخل المدن الأوكرانية.
وأضاف أبو الرب أن الحرب دخلت مرحلة مختلفة عنوانها "الاستنزاف المتبادل"، بات يشمل استهداف مراكز الإمداد والقدرات اللوجستية والرمزية داخل العمق الروسي، في رسالة واضحة مفادها بأن كييف قادرة على إيصال تأثيرها إلى ما وراء الحدود.
واعتبر رئيس المركز الأوكراني للتواصل والحوار، أن نقل المعركة عبر حرب المسيرات يعكس تطورًا في الفكر العملياتي الأوكراني، ويؤكد أن أوكرانيا لم تفقد زمام المبادرة رغم مرور سنوات على اندلاع الحرب.
وشدد أبو الرب، على أن تماسك الجبهة الداخلية الأوكرانية، واستمرار الدعم الدولي السياسي والعسكري والاقتصادي، عوامل عززت ثقة كييف في قدرتها على الصمود والمبادرة.
وأكد أن الهدف النهائي لا يزال سياسيًا يتمثل في الوصول إلى تسوية عادلة تضمن الأمن والاستقرار لجميع الأطراف، ضمن ضمانات واضحة تحول دون تجدد النزاع.
من جانبه، رأى ديميتري بريجع، مدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية، أن توصيف الضربات الأوكرانية للعمق الروسي بأنها استهداف لـ"كهف علاء الدين" يحمل دلالة رمزية تتجاوز البعد العسكري المباشر.
وكشف في تصريحات لـ"إرم نيوز" أن حرب المسيرات هي استراتيجية ضغط نفسي وإعلامي تهدف إلى زعزعة الإحساس بالأمان، وإشغال مؤسسات الدولة بتهديدات غير تقليدية يصعب توقعها أو احتواؤها بالكامل.
وأضاف مدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية، أن هذا النمط من المواجهة يراهن على التأثير المعنوي بقدر ما يراهن على الخسائر المادية، فمجرد وصول المسيرات إلى عمق الأراضي الروسية يطرح تساؤلات داخلية حول فعالية أنظمة الدفاع والحماية، ويضع صانع القرار أمام تحديات تتعلق بإدارة الرأي العام والحفاظ على صورة السيطرة.
واعتبر أن نقل المعركة بهذا الشكل يسعى إلى فرض معادلة جديدة عنوانها "لا ملاذ آمن بالكامل"، وهو ما يرفع الكلفة السياسية والاقتصادية للصراع.
وأكد بريجع أن روسيا لا يمكنها التعامل مع هذه الضربات باعتبارها حوادث معزولة، بل ينبغي النظر إليها ضمن سياق تصعيدي أوسع يتطلب ردًا محسوبًا يعيد تثبيت الردع دون الانزلاق إلى مواجهة غير منضبطة.
وشدد على أن الحزم في الرد ضروري لمنع تكرار هذا النمط من العمليات، لكن الحزم ذاته يجب أن يكون مدروسًا، بحيث يوازن بين حماية الاستقرار الداخلي وتفادي توسيع رقعة الحرب بشكل يصعب التحكم فيه.
وأكد أن الضغط المتبادل قد يكون في النهاية مدخلًا لإعادة فتح قنوات التفاهم، عندما تدرك جميع الأطراف أن استمرار المواجهة بلا أفق تسوية تفاقم الخسائر دون تحقيق حسم نهائي.