ترامب: إذا توصلنا إلى اتفاق فسيكون ذلك بداية رائعة لإيران والمنطقة
يتزامن التحرك الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط مع اتساع نطاق الحرب المرتبطة بإيران وامتداد التوتر إلى المجال البحري وممرات الطاقة.
وتعكس كثافة الاتصالات التي أجرتها بكين مع عواصم الخليج وطهران خلال فترة زمنية قصيرة مستوى القلق المرتبط بمسارات التصعيد العسكري وانعكاساته على إمدادات النفط وحركة التجارة.
هذا الحراك يأتي ضمن سياق واضح يتعلق بأمن الإمدادات واستقرار الأسواق، حيث ترتبط الصين بشبكة واسعة من المصالح النفطية والتجارية في الخليج والعراق وإيران، وتقوم قطاعات صناعية صينية كاملة على استقرار هذه التدفقات.
جاء الحراك الدبلوماسي الصيني خلال الأيام الأخيرة بالتزامن مع اتساع العمليات العسكرية المرتبطة بإيران وامتداد التوتر إلى أكثر من ساحة، حيث كثّفت بكين اتصالاتها السياسية مع عواصم الخليج وطهران عبر قنوات رسمية؛ ما وضع الصين ضمن مسار المشاورات السياسية المرتبطة بتطورات الأزمة.
في هذا الإطار، واصل المبعوث الصيني الخاص للشرق الأوسط، تشاي جون، جولته في المنطقة خلال الأيام الأخيرة بعد جولة خليجية، حيث عقد لقاءات مع مسؤولين في المنطقة تناولت تطورات الحرب ومخاطر اتساعها وانعكاساتها على الاستقرار الإقليمي.
هذه التحركات المتزامنة جاءت في ظل علاقات اقتصادية وسياسية تربط الصين بدول الخليج من جهة وبإيران من جهة أخرى، وهو ما وضع بكين في موقع سياسي دقيق خلال الأزمة، ودفعها إلى الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف المعنية بتطورات الحرب.
ترتبط الصين بعقود طويلة الأمد مع دول الخليج في مجالات النفط والبتروكيميائيات والاستثمارات المرتبطة بالطاقة والبنية التحتية، وتشكل منطقة الخليج والعراق وإيران أحد أهم مصادر الطاقة للاقتصاد الصيني، إذ ينعكس أي اضطراب واسع في هذه المنطقة على الأسعار، وعلى كلفة الإنتاج الصناعي.
ويرتبط التحرك السياسي الصيني بأمن الطاقة واستقرار الأسواق، حيث تمثل الملاحة في مضيق هرمز ومنشآت الطاقة وخطوط الشحن البحري عناصر أساسية في الحسابات الصينية.
ويرتكز الحضور الصيني في الشرق الأوسط أيضا على التجارة والطاقة والاستثمار والبنية التحتية، ويمتد عبر مشاريع الموانئ والطرق والطاقة والاتصالات.
هذا الحضور الاقتصادي الواسع منح الصين شبكة علاقات متشعبة مع دول الخليج وإيران والعراق، وأتاح لها موقعًا متقدمًا في التجارة والطاقة، مع حضور سياسي منخفض الكلفة يعتمد على الدبلوماسية والاتصالات السياسية والوساطات. هذا النمط من الحضور أتاح لبكين الحفاظ على قنوات اتصال مع جميع الأطراف خلال فترات التصعيد.
ورغم هذا الحضور الاقتصادي الواسع، ما زال الدور السياسي والأمني للصين في المنطقة محدودًا مقارنة بحجم نفوذها الاقتصادي، إذ تعتمد بكين في حضورها على الدبلوماسية والوساطات والعلاقات الاقتصادية، دون امتلاك أدوات ضغط سياسية أو عسكرية مباشرة تمكّنها من لعب دور حاسم في مسارات الصراع، وهو ما يجعل تحركها في الأزمات مرتبطًا بحماية المصالح الاقتصادية أكثر من كونه تدخلًا سياسيًّا لإعادة تشكيل موازين القوى.
التحرك الصيني في المرحلة الحالية يتركز على خفض مستوى التصعيد وحماية الممرات البحرية ومنشآت الطاقة من أي توسع في دائرة الاستهداف. فالاتصالات السياسية التي أجرتها بكين مع طهران ودول الخليج جاءت ضمن هذا الإطار، إلى جانب التحركات المرتبطة بالقمم الاقتصادية الصينية العربية، ومسار الشراكات الإستراتيجية طويلة الأمد مع دول المنطقة.
ويتصل الحضور الصيني في الشرق الأوسط أيضًا بمسار اقتصادي طويل بدأ مع إطلاق مبادرة الحزام والطريق عام 2013، حيث توسعت الاستثمارات الصينية في الموانئ والبنية التحتية والطاقة والمناطق الصناعية في عدد من دول المنطقة.
هذا التوسع الاقتصادي ربط جزءًا مهمًّا من التجارة الصينية العالمية بممرات بحرية وبرية تمر عبر الشرق الأوسط؛ ما جعل استقرار هذه المنطقة جزءًا من منظومة التجارة الصينية العالمية.
في حين ترتبط السياسة الخارجية الصينية تاريخيًّا بمبدأ عدم التدخل في النزاعات الداخلية للدول، وهو مبدأ رافق الدبلوماسية الصينية منذ منتصف القرن الماضي، وشكّل أساسًا لطبيعة حضورها في مناطق النزاعات.
هذا المبدأ انعكس على شكل الدور الصيني في الشرق الأوسط خلال العقود الماضية، حيث حافظت بكين على علاقات متوازنة مع أطراف متعارضة في المنطقة، واعتمدت في حضورها السياسي على الدبلوماسية والوساطات والاجتماعات متعددة الأطراف، مع تجنب الانخراط المباشر في الصراعات العسكرية.
وخلال السنوات الأخيرة، شهدت المنطقة تحولات في طبيعة الحضور الدولي، مع تراجع مستوى الانخراط العسكري المباشر للولايات المتحدة في عدد من ملفات الشرق الأوسط، واتجاه واشنطن إلى إعادة توزيع ثقلها الإستراتيجي نحو مناطق أخرى.
وفتح هذا التحول المجال أمام قوى دولية أخرى لتوسيع حضورها السياسي والاقتصادي في المنطقة، ومن بينها الصين، التي عززت حضورها عبر الاقتصاد والطاقة والاستثمار، ثم بدأت تدخل تدريجيًّا إلى المجال السياسي عبر الوساطات والاتصالات الدبلوماسية.
في المقابل، طوَّرت الصين خلال العقدين الماضيين شبكة علاقات اقتصادية واسعة مع دول الخليج، شملت الطاقة والاستثمارات والبنية التحتية والتكنولوجيا، وتحولت إلى الشريك التجاري الأكبر لمعظم دول مجلس التعاون الخليجي. هذا الحضور الاقتصادي الواسع عزز العلاقات السياسية، وفتح قنوات اتصال مباشرة بين بكين وعواصم الخليج.
وضمن هذه المعطيات، يتحرك الدور الصيني في الشرق الأوسط في إطار يرتبط بأمن الممرات البحرية واستقرار أسواق الطاقة وشبكات التجارة التي تمر عبر المنطقة، في ظل حضور اقتصادي واسع للصين وعلاقات متشعبة مع أطراف الأزمة، وهو ما يحدد طبيعة الحضور الصيني في التعامل مع التصعيد الجاري.