ترامب: إذا توصلنا إلى اتفاق فسيكون ذلك بداية رائعة لإيران والمنطقة
رأت مجلة "فورين أفيرز" أن الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران تكشف، بعد أسابيع قليلة على اندلاعها، عن مأزق إستراتيجي مألوف في السياسة الخارجية الأمريكية، يتمثل في استخدام القوة العسكرية من دون إطار سياسي واضح يحدد الهدف النهائي أو يرسم مسارًا قابلًا للإنهاء.
وبحسب التحليل، لا تكمن المشكلة في مسار العمليات بحد ذاته، بل في غياب تعريف عملي لما يعنيه "النجاح"، فمنذ البداية، تراوحت الأهداف بين طموحات قصوى، مثل: تغيير النظام، وأهداف أكثر ضبابية تتعلق بردع إيران وإضعاف قدراتها، من دون صياغة واضحة تربط بين الوسائل العسكرية والنتائج السياسية المرجوة.
ويعكس هذا التباين ارتباكًا في تقدير طبيعة الصراع أكثر مما يعكس مرونة إستراتيجية، إذ تبدو واشنطن وكأنها تتحرك تكتيكيًّا من دون إطار إستراتيجي جامع.
تلفت المجلة إلى أن الحرب تقوم على معادلة غير متكافئة تمنح الطرف الأضعف أفضلية بنيوية يصعب تجاوزها بالقوة العسكرية وحدها.
فالولايات المتحدة تحتاج إلى تحقيق نتائج واسعة ومعقدة كي تعلن النصر، سواء عبر إضعاف إيران إلى حد شلّ دورها الإقليمي أو دفعها نحو تغيير سياسي داخلي، وهي أهداف تتطلب إعادة تشكيل بيئة سياسية وأمنية كاملة.
في المقابل، يكفي طهران أن تحافظ على تماسكها الداخلي، وأن تستمر في إلحاق كلفة مستمرة بالاقتصاد العالمي، سواء عبر تهديد الملاحة أو استهداف البنية التحتية للطاقة.
ويعيد هذا الاختلال إنتاج نمط شهدته واشنطن في حروب سابقة، حيث يصبح النجاح مرهونًا بتحقيق استقرار شامل، بينما يكتفي الخصم بإبقاء مستوى من الفوضى وعدم اليقين يكفي لإفشال تلك الأهداف.
رغم الضربات المكثفة التي استهدفت قيادات عليا وبنية عسكرية حساسة، لم تظهر مؤشرات حقيقية على تفكك النظام الإيراني.
بل على العكس، تشير "فورين أفيرز" إلى أن بنية الحكم أظهرت قدرة واضحة على التكيف، سواء من خلال توزيع مراكز القرار أو تعزيز اللامركزية العملياتية التي تسمح باستمرار الهجمات حتى في ظل استهداف القيادات.
وتذهب المجلة أبعد من ذلك، معتبرة أن استهداف القيادات قد يكون أدى إلى نتيجة معاكسة، إذ أسهم في تسريع انتقال السلطة نحو شخصيات أكثر تشددًا؛ ما يقلص احتمالات أي تحول داخلي تدريجي كان يُنظر إليه سابقًا كأحد المسارات الممكنة.
وبدلًا من إضعاف النظام سياسيًّا، قد تكون الحرب أعادت تشكيله بطريقة أكثر صلابة وأقل قابلية للاختراق.
تعتمد الحملة الحالية بشكل أساسي على الضربات الجوية والبحرية، وهي أدوات فعالة تكتيكيًّا، لكنها محدودة عندما يتعلق الأمر بتحقيق نتائج إستراتيجية بعيدة المدى. فإضعاف القدرات العسكرية لا يعني بالضرورة إنهاء قدرة الخصم على التأثير، خصوصًا في صراع غير متكافئ.
وفي هذا السياق، توضح المجلة أن إيران لا تحتاج إلى تكافؤ عسكري مباشر، بل إلى القدرة على تنفيذ هجمات متقطعة ذات أثر مرتفع. فضربة واحدة ناجحة لناقلة نفط أو منشأة طاقة قد تكون كافية لإحداث اضطراب واسع في الأسواق العالمية، وإعادة تسعير المخاطر؛ ما يمنح طهران أداة ضغط تتجاوز وزنها العسكري التقليدي، ويحوّل الحرب إلى معركة تأثير اقتصادي بقدر ما هي مواجهة عسكرية.
بهذا المعنى، لا تتجه الحرب نحو حسم سريع، بل نحو نمط استنزاف طويل تتآكل فيه المكاسب التكتيكية أمام ديناميكيات الصراع الأوسع.
فالولايات المتحدة تسعى إلى فرض استقرار واسع النطاق، وهو هدف يتطلب سيطرة شبه كاملة على البيئة الأمنية، بينما تعمل إيران على تقويض هذا الهدف عبر هجمات محدودة لكن مستمرة، تضمن بقاء مستوى من عدم الاستقرار يكفي لإفشال أي محاولة لفرض نظام إقليمي مستقر.
وتشير المجلة إلى أن هذا النمط يعكس تحولًا في طبيعة الصراعات الحديثة، حيث يصبح التأثير الاقتصادي والنفسي جزءًا أساسيًّا من المعركة، وليس مجرد نتيجة جانبية لها.
أمام غياب نتائج حاسمة، يبرز التصعيد كخيار مغرٍ، لكنه يحمل في طياته مخاطر تصاعدية يصعب التحكم بها. فالعمليات البرية داخل إيران، حتى لو كانت محدودة، ستفرض على واشنطن الانخراط في بيئة معادية ومعقدة جغرافيًّا وعسكريًّا.
أما استهداف البنية الاقتصادية، خصوصًا قطاع الطاقة، فقد يؤدي إلى نتائج عكسية عبر رفع الأسعار العالمية وإشعال ردود فعل إيرانية أوسع قد تشمل استهداف منشآت حيوية في الخليج.
كما أن خيار دعم قوى داخلية معارضة لا يضمن انتقالًا منظمًا للسلطة، بل قد يفتح الباب أمام سيناريوهات تفكك وفوضى إقليمية في منطقة تعاني أصلًا من هشاشة مزمنة وتداخل مصالح القوى الإقليمية.
تخلص المجلة إلى أن المشكلة الأساسية لا تكمن في نقص الخيارات، بل في أن جميع الخيارات المتاحة تحمل كلفة عالية ومخاطر ممتدة.
فلا التصعيد يضمن الحسم، ولا التراجع يحقق نصرًا واضحًا؛ ما يضع واشنطن أمام معضلة كلاسيكية في إدارة الحروب: الاستمرار في مسار مكلف على أمل تحقيق اختراق، أم القبول بنتائج غير مكتملة وتداعيات طويلة الأمد.
وفي ضوء ذلك، ترى "فورين أفيرز" أن المسار الأكثر واقعية يتمثل في إعادة تعريف الهدف من الحرب، من السعي إلى نصر حاسم إلى محاولة احتواء الخسائر. وقد يشمل ذلك الاكتفاء بإضعاف القدرات الإيرانية ضمن حدود معينة، مع فتح المجال أمام تهدئة تدريجية، بدلًا من الانخراط في تصعيد مفتوح يصعب التحكم بمآلاته.
في المحصلة، تعكس الحرب مع إيران إشكالية أعمق في استخدام القوة العسكرية كأداة لتحقيق أهداف سياسية معقدة. فالتفوق العسكري، مهما كان حاسمًا على المستوى التكتيكي، لا يترجم بالضرورة إلى نتائج إستراتيجية مستدامة، خاصة في صراعات غير متكافئة.
وتشير المجلة إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في كسب الحرب بالمعنى التقليدي، بل في تجنب تحويلها إلى صراع مفتوح بلا نهاية واضحة. وفي هذا السياق، قد يكون القرار الأكثر صعوبة، وهو الحد من الطموحات، هو أيضًا الأكثر واقعية، في حرب تُظهر مرة أخرى أن القوة، مهما بلغت، لا تكفي وحدها لصناعة النصر.