عراقجي: لدينا أدلة على إطلاق نار تعرضت له قوات الأمن بهدف رفع أعداد الضحايا
سلطت التطورات الأخيرة في محيط محطة زابوروجيا للطاقة النووية، أكبر منشأة نووية في أوروبا، الضوء مجددًا على المخاطر المتصاعدة التي تفرضها الحرب الروسية الأوكرانية على أمن المنشآت الحيوية، وسط تحرك دولي تقوده الوكالة الدولية للطاقة الذرية لاحتواء أي سيناريو كارثي محتمل.
وتقع محطة زابوروجيا على الضفة اليسرى لنهر دنيبر، قرب مدينة إنيرغودار، وتضم 6 وحدات طاقة بقدرة إجمالية تصل إلى ستة جيجاوات، ما يجعلها منشأة محورية في منظومة الطاقة الإقليمية.
ومنذ أكتوبر 2022، باتت المحطة تحت إدارة خبراء روس، وتوقفت عن توليد الكهرباء بالكامل منذ سبتمبر من العام نفسه، لتدخل مرحلة الإيقاف التام في أبريل 2024.
وأعلن المدير العام للوكالة، رافائيل غروسي، بدء مشاورات دولية لإنشاء منطقة وقف إطلاق نار مؤقتة حول محطة زابوروجيه، وذلك عقب تضرر آخر خط تغذية كهربائية احتياطي متبقٍ بجهد 330 كيلوفولت، نتيجة عملية عسكرية وقعت في 2 يناير الحالي.
وكشف غروسي، عبر منصة "إكس"، أن انقطاع الخط الاحتياطي جعل المحطة تعتمد كليًا على خط وحيد عامل بجهد 750 كيلوفولت يضاعف من حساسية الوضع التقني والأمني.
وتشير المعلومات المتاحة إلى أن خط نقل الطاقة عالي الجهد "فيروسبلافنايا-1"، الذي كان يمثل أحد مسارات الإمداد الرئيسية، توقف عن العمل مطلع يناير، في وقت لم تُحدد فيه بعد أسباب الانقطاع أو الجدول الزمني لإعادته للخدمة.
وفي هذا الإطار، أكد المحلل السياسي والخبير في الشؤون الروسية الدكتور نبيل رشوان، أن ما يجرى حاليًا في محيط محطة زابوروجيا النووية يمكن اعتباره خطوة أولى ومؤشرًا مهمًا نحو تهدئة أوسع، وأن وقف إطلاق النار - ولو في نطاق جغرافي محدود - يحمل دلالات سياسية وأمنية بالغة الأهمية.
واعتبر رشوان في حديث لـ"إرم نيوز" أن وقف إطلاق النار في محيط المحطة النووية يأتي استجابة مباشرة للمخاطر المتزايدة المرتبطة بسلامة المفاعلات، لافتًا إلى وجود مشكلات فنية تتطلب إصلاحًا عاجلًا، وهو ما حذرت منه مرارًا الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وأشار إلى أن الأزمة لم تكن عسكرية فقط، بل سبق أن طُرحت بشأنها عدة مقترحات سياسية واقتصادية، من بينها مقترح يقضي بتقاسم إنتاج الطاقة الكهربائية من المحطة بين أوكرانيا وأمريكا وروسيا، في إطار تسويات تتعلق بالديون والدعم.
وأضاف أن هذا المقترح قوبل بالرفض من الجانب الروسي، ما دفع أمريكا لاحقًا إلى طرح صيغة أخرى تقوم على توزيع العائدات بنسبة 33% لكل من أوكرانيا وروسيا وأمريكا، إلا أن هذه الصيغة لم تصل أيضًا إلى اتفاق نهائي.
وأوضح رشوان، أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية مارست ضغوطًا قوية من أجل تنفيذ أعمال الإصلاح اللازمة داخل المحطة، محذرة من أن تجاهل هذه الإجراءات قد يقود إلى كارثة نووية.
ولفت إلى أن البحث عن حل دبلوماسي للأزمة بات ضرورة ملحة، وأن المسألة بالنسبة لأوكرانيا اقتصادية بالدرجة الأولى قبل أن تكون عسكرية، بينما تمثل بالنسبة لروسيا أهمية استراتيجية كبرى، نظرًا لموقع المحطة في جنوب أوكرانيا وإطلالتها على بحر آزوف.
وأكد أن أي حادث نووي في زابوروجيا لن تقتصر آثاره على أوكرانيا وحدها، بل سيمتد ليشمل روسيا وأوروبا بأكملها، خاصة أن المنطقة قريبة من شبه جزيرة القرم وبحر آزوف، وهو بحر صغير نسبيًا، ما يجعل احتمالات انتقال التلوث والإشعاع عالية للغاية، وهو ما يدفع جميع الأطراف الدولية إلى التحلي بأقصى درجات الحذر.
من جانبه، أكد المحلل السياسي والخبير في الشؤون الأوكرانية محمد العروقي، أن محطة زابوروجيا النووية تُعد من أكبر المحطات النووية في العالم، وليس في أوروبا فقط، وأنها تمثل مصدرًا مهمًا للطاقة في أوكرانيا وفي دول الاتحاد السوفيتي السابق بشكل عام.
وقال العروقي لـ"إرم نيوز" إن المحطة تقع حاليًا في ما يُعرف بـ"المنطقة الرمادية"، وهي منطقة تشهد خلافات كبيرة، لافتًا إلى أن محطة زابوروجيا تُعد واحدة من أبرز نقاط الخلاف المرتبطة بملف السلامة النووية ضمن أي تسوية سلام مرتقبة بين أوكرانيا وروسيا.
وأشار إلى أن أمريكا بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، تسعى إلى إيجاد حلول عملية للاستفادة من المحطة وضمان تشغيلها بشكل آمن، مضيفًا أن الجانب الأوكراني كان قد عرض على أمريكا فكرة الإدارة المشتركة للمحطة.
ويعتقد العروقي، أن روسيا لا تعارض مبدأ إيجاد آلية تسمح لجميع الأطراف بالاستفادة من المحطة، وأن الوكالة الدولية للطاقة الذرية تبقى الجهة المنوطة بالإشراف الفني والتشغيلي وضمان أعلى معايير الأمان داخل المحطة.
ولفت إلى أن ملف محطة زابوروجيا، رغم كونه مسألة خلافية شديدة الحساسية، فإنه لا يصل إلى مستوى تعقيد وخطورة ملف الأراضي في إقليم دونباس، ما يجعل إمكانية التوصل إلى تسوية بشأنها أكثر واقعية في حال توفرت الإرادة السياسية.
وقال إن الوصول إلى حل يراعي مصالح أمريكا وروسيا وأوكرانيا معًا قد يكون ممكنًا، خاصةً وأن الخطر الحقيقي يبقى في استمرار الوضع الحالي للمحطة دون حل جذري يضمن أمنها واستقرارها.