بالنسبة للعديد من حركات اليمين واليمين المتطرف في أوروبا، كان دونالد ترامب مصدر إلهام سياسي وحافزاً شعبوياً، حيث قدم نموذجاً لـ"لنعد أمريكا عظيمة مرة أخرى"، وأظهر أن الشعبوية يمكن أن تتجاوز المحيط الأطلسي.
إلا أن تهديداته الأخيرة بشأن ضم غرينلاند، وفرض تعريفات جمركية عقابية على حلفاء الناتو، حوّلت الرئيس الأمريكي من حليف إلى عبء سياسي، حتى بالنسبة للقادة الذين كانوا يدعمونه علنًا في السابق، بحسب "بولتيكو".
في حين تراجع ترامب عن بعض تهديداته، إلا أن شخصيات يمينية بارزة في أوروبا بدأت في تعديل خطابها. أشار نيكولا بروكاسيني، زعيم كتلة المحافظين والإصلاحيين الأوروبيين، إلى ضرورة التمييز بين صواب ترامب وخطئه، مؤكداً أن "عندما يكون مخطئاً، يجب أن نقول إنه مخطئ".
أدان جوردان بارديلا، رئيس حزب التجمع الوطني الفرنسي، ونايجل فاراج، زعيم حزب الإصلاح البريطاني، تصعيد ترامب في ملف غرينلاند، معتبرين تهديداته بالتعريفات الجمركية نوعاً من الابتزاز، ومحاولة لإخضاع أوروبا.
ودعا بارديلا الاتحاد الأوروبي إلى استخدام ما يُعرف بـ"بازوكا التجارة" لمواجهة الضغوط الأمريكية، في خطوة تعكس تحولاً عن موقفه السابق الذي كان يميل إلى تقليد ترامب.
حتى أحزاب أخرى، مثل حزب البديل من أجل ألمانيا، بدأت في إعادة ضبط موقفها، مدركةً أن الدعم العلني للرئيس الأمريكي لم يعد إستراتيجياً، وأن أي ارتباط مباشر قد ينعكس سلباً على صورته أمام الرأي العام المحلي.
القادة الشعبويون في مناصبهم، مثل جورجيا ميلوني في إيطاليا، يتصرفون بحذر شديد، محافظين على علاقات وثيقة مع ترامب من دون الدخول في انتقادات مباشرة أو مواقف سياسية متطرفة.
حكومات وأحزاب يمينية أخرى حاولت تمييز علاقتها بترامب؛ مثل الرئيس البولندي كارول ناووركي الذي وصف الولايات المتحدة بأنها "حليف مهم للغاية"، لكنه أبدى تحفظات حول بعض المبادرات الأمريكية، مثل إشراك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في "مجلس السلام".
وفي المجر، حاولت حكومة فيكتور أوربان تقليل أهمية تهديدات الضم، معتبرة أن قضية غرينلاند تخص الولايات المتحدة والدنمارك فقط، بينما استمرت بعض الشخصيات الطامحة في تعديل خطابها ليتماشى مع مصالحها الانتخابية.
في فرنسا، لطالما حذرت مارين لوبان أنصارها من المبالغة في تأييد ترامب، ورغم التوافق الأيديولوجي في موضوعات مثل الهجرة، أثار تدخل الرئيس الأمريكي الأخير في القضايا الأوروبية حفيظة اليمين المتطرف المخضرم.
وصار استحضار اسم ترامب في خطابهم الآن محفوفاً بالمخاطر السياسية، إذ قد يجلب لهم ردود فعل سلبية من الرأي العام، بدل الدعم المعنوي الذي كانوا يأملون فيه.
في النهاية، أظهرت أزمة غرينلاند أن الشعبوية العابرة للأطلسي لم تعد حصانة مطلقة أمام السياسات العدائية وغير المتوقعة لترامب؛ حتى أولئك الذين وجدوا في سياساته مصدر إلهام، أصبحوا مضطرين لإعادة تقييم علاقتهم به، والنأي بأنفسهم عن مواقفه المثيرة للجدل للحفاظ على صورتهم المحلية.
في الوقت ذاته، لا يزالون يسعون للاستفادة من بعض نجاحاته الرمزية في التأثير على جمهورهم، لكن العلاقة الحميمة التي ميزت عقداً من التحالفات اليمينية قد تكون قد انتهت فعلياً.