logo
العالم

ترامب يُصدر "الماغا" إلى أوروبا.. كيف انتعش اليمين المتطرف في القارة العجوز؟

دونالد ترامبالمصدر: رويترز

بعد مرور سنة على الولاية الثانية لترامب، بات من الصعب حصر تأثيره في القضايا السياسية المعروفة بالنسبة لأوروبا، فالأثر الأعمق يتمثل في تصدير مناخ سياسي كامل إلى القارة العجوز، يتجاوز القرارات والملفات ليطال أنماط التفكير، وحدود المقبول والمرفوض في الحيز العام.

يأتي في مقدمة هذا التأثير، الانتعاش الذي أصاب اليمين الأوروبي المتطرف، فشعار "لنجعل أمريكا عظيمة مجددا" التي تختصر في "ماغا"، تحوّل إلى عقيدة سياسية عابرة للأطلسي، عندما وجد آذانا صاغية لدى فئات أوروبية رفعت بدورها شعار "لنجعل أوروبا عظيمة مرة اخرى".

الشعار، الذي بدأ كأداة انتخابية لاستقطاب ناخبين ساخطين على العولمة والنخب، تحوّل في الولاية الثانية إلى عقيدة سياسية مكتملة، وبعد مرور عام، تبيّن أن هذه العقيدة تمتلك قدرة على الانتقال والتأقلم في بيئات أخرى، لأنها تقوم على عناصر مشتركة عابرة للثقافات.

أخبار ذات علاقة

ماذا فعل ترامب في العام الاول من ولايته الثانية؟

عام على صعود ترامب.. ماذا حدث؟ (إنفوغراف)

الترامبية، بهذا المعنى، وكما يرى عدد من منظري السياسة، ليست برنامجاً سياسياً محدداً بقدر ما هي أسلوب حكم وخطاب تعبوي قابل للتكيّف، وهذا ما التقطه اليمين الأوروبي سريعاً، فظهرت نسخة أوروبية من حركة "ماغا" لا كتقليد بل كإطار جامع يختصر في رفض الهجرة، والتشكيك في مؤسسات الاتحاد الأوروبي، والعداء للنخب، والتمسك بالهوية القومية.

ويؤكد خبراء أنه وبانقضاء العام الأول لترامب بات واضحاً أن "الترامبية" عبرت الأطلسي، ولم تعد مقتصرة على الولايات المتحدة، بل تحوّلت إلى مرجعية رمزية أسهمت في تعزيز مواقع اليمين الأوروبي.

وترافق هذا المزاج "اليميني" مع تكريس قطيعة شبه كاملة مع منطق التوافقات والتفاهمات الذي حكم العلاقات عبر الأطلسي لعقود، عبر تهميش لغة الشراكة أو القيادة الجماعية، وتكريس لغة المصالح، والصفقات، والضغط العلني على الحلفاء، وهذا ما تجلى، خصوصاً، في ملف غرينلاند، وكذلك الملف الأوكراني.

ويلاحظ خبراء أن هذه المفاهيم لم تربك الحكومات الأوروبية فقط، بل أضعفت أيضاً السردية التي لطالما استخدمتها الأحزاب التقليدية في مواجهة اليمين الشعبوي، فإذا كانت الولايات المتحدة، بوصفها قائدة النظام الليبرالي، تشكك في المؤسسات الدولية، وتتعامل مع الحلفاء بمنطق القوة، فلماذا يُطلب من الدول الأوروبية الالتزام الصارم بقواعد "بروكسل".

وعلى هذا النحو لم يعد الخطاب اليميني الشعبوي نافراً أو خارج السياق، بل بات منسجماً مع اتجاه دولي تقوده واشنطن نفسها، ومتناغماً مع أفكار فئة واسعة من الأوروبيين الذين وجدوا في اليمين صوتاً تحمي مصالحهم المهددة بسبب تداعيات الهجرة والأزمات الاقتصادية وتكاليف الحرب الأوكرانية.

أخبار ذات علاقة

مواطنون في غرينلاند يحتجون على رغبة ترامب في ضم بلادهم

"حزمة مضادة".. أوروبا تبحث سبل الرد على تهديد ترامب بشأن غرينلاند

ويوضح الخبراء أن نجاح ترامب لولاية ثانية منح اليمين الأوروبي "متنفسا"، فالشعبوية ليست نزوة عابرة، بل خياراً سياسياً قابلاً للاستمرار، وهو ما عزز ثقة الأحزاب اليمينية بنفسها، ورفع سقف مطالبها، وقلّص منسوب الحرج الذي كان يقيّدها داخل الفضاء العام، فالمسائل التي كانت تعد من المحظورات في الثقافة الأوربية باتت تطرح في البرلمانات الوطنية.

ففي فرنسا، أسهم عام ترامب الأول في ولايته الثانية في تعزيز سردية حزب "التجمع الوطني" اليميني، القائلة إن العالم يتجه نحو إعادة الاعتبار للدول القومية، وإن فرنسا ليست استثناء، ولم يعد الحزب مضطراً للدفاع عن نفسه باعتباره قوة احتجاجية، بل بات يقدّم مشروعاً سياسياً متكاملاً، وفي إيطاليا، حيث يقود اليمين الحكومة، استُخدم النموذج الترامبي لتبرير خطاب سيادي أكثر صلابة تجاه بروكسل، خصوصاً في ملفات الهجرة.

ويرى خبراء بأنه "رغم محاولات رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني الظهور بمظهر براغماتي مستقل، فإن خطاب حكومتها بات أكثر انسجاما مع المناخ الترامبي.

أما في ألمانيا، فإن صعود حزب "البديل من أجل ألمانيا" اكتسب زخما إضافيا، إذ حل ثانيا في الانتخابات الاخيرة على مستوى البلاد، فمرور عام على رئاسة ترامب الثانية ساعد في تطبيع خطاب كان يُعدّ سابقا من المحرمات، خصوصا لدى الألمان الذين يتمتعون بحساسية بالغة حيال اي مؤشر أو معطى يعيد إلى الاذهان الحقبة النازية التي دمرت أوروبا.

وخلال العام الأول، برزت محاولات واضحة لربط اليمين الأمريكي بنظيره الأوروبي، وتلعب مراكز أبحاث محافظة، مثل مؤسسة التراث الأمريكية، دوراً محورياً في هذا السياق، عبر نقل الخبرات التنظيمية، وصياغة استراتيجيات سياسية، وبناء شبكات تواصل مع أحزاب يمينية أوروبية.

أخبار ذات علاقة

ترامب يتجه لحضور تجمع للاحتفال بمرور 100 يوم على توليه منصبه

"إمبريالي ومتقلب".. "الغارديان" تعد ولاية ترامب الأسوأ في التاريخ الرئاسي

وفي المجال الإعلامي، ساعد المناخ الترامبي على إطلاق مبادرات تسعى إلى إعادة تشكيل الرأي العام الأوروبي، إذ تأسست قنوات ومنصات يمينية، بعضها بدعم مباشر أو غير مباشر من شبكات مرتبطة بـ"ماغا"، تعمل على نشر خطاب يميني يتقاطع مع الرسائل الأمريكية. 

ولم تستطع القارة العجوز أن تصد هذه الموجة اليمينية القادمة من الولايات المتحدة، حيث ظهرت "مشوشة"، فالأحزاب الوسطية والحكومات التقليدية وجدت نفسها في موقع دفاعي، عاجزة عن تقديم سردية مضادة مقنعة.

ويفسر خبراء هذا الإرباك الأوروبي بأن الاعتماد المستمر على الولايات المتحدة أمنياً، في ظل رئيس يستخدم هذا الاعتماد كورقة ضغط، أضعف من قدرة أوروبا على المواجهة. 

ورغم كل ذلك، لا يمكن الحديث عن نسخة أوروبية مطابقة للترامبية، فالسياق الأوروبي مختلف من حيث الأنظمة البرلمانية، والتعددية الحزبية، والذاكرة التاريخية، لكن الخطر لا يكمن في الاستنساخ الحرفي، بل في تطبيع منطق الترامبية أي: الزعامة الفردية بدل المؤسسات، والصدام بدل التوافق، والهوية القومية الضيقة بدل التعددية، ونهج الصفقات بدل التحالفات.

ويستنتج الخبراء بأن العام الأول أنعش اليمين الشعبوي الأوروبي، على أن ذلك لا يعني أن ترامب صنع هذه التيارات، لكنه منحها شرعية دولية، ومع استمرار هذا التوجه تجد أوروبا نفسها أمام معادلة صعبة، فإما معالجة الجذور الاجتماعية والاقتصادية التي تغذي تيارات اليمين، أو مواجهة تحول قادم بإلهام من "الترامبية".

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2025 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC