تتجه الأنظار في المنطقة إلى جولة محادثات مرتقبة بين إيران والولايات المتحدة، وسط تصعيد سياسي وعسكري متزامن، يؤشر إلى ضيق هوامش المناورة لدى الطرفين، ويعيد طرح سؤال جوهري بشأن جدوى رفع سقف التفاوض في لحظة إقليمية شديدة التعقيد.
وكان مسؤول إقليمي قال لوكالة "رويترز"، إن إيران طلبت نقل المحادثات غير المباشرة مع الولايات المتحدة من إسطنبول إلى سلطنة عُمان، رغبة منها في أن تكون هذه المحادثات امتداداً للمفاوضات السابقة التي جرت هناك بشأن برنامجها النووي، قبل أن تعلن وكالة "تسنيم" الإيرانية، اليوم، أن المفاوضات ستكون في العاصمة العمانية مسقط يوم الجمعة المقبلة.
يأتي ذلك في وقت يواصل فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التلويح بالخيار العسكري، مقابل تحذيرات إيرانية من استهداف المصالح والقواعد الأمريكية في المنطقة، بالتزامن مع حشد بحري أمريكي ووجود قطع قتالية متقدمة في الخليج وبحر العرب.
وفي خضم هذا المسار المتشابك، تُثار تساؤلات متزايدة بشأن قدرة النظام الإيراني على الاستجابة لشروط التفاوض المطروحة، أو ما إذا كان رفع سقف الخطاب والتصلّب الظاهر يؤشران مأزقاً بنيوياً أكثر من كونه خياراً تفاوضياً محسوباً.
ومع الضغوط الداخلية المتراكمة، وتراجع هوامش المناورة، وحشد عسكري أمريكي متصاعد، تبدو طهران أمام معادلة معقدة، تحاول من خلالها كسب الوقت من دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، أو تقديم تنازلات جوهرية قد تُفسر داخلياً على أنها تراجع استراتيجي.
في هذا السياق، يرى رئيس المركز العربي - الأسترالي أحمد الياسري، أن رفع إيران سقف التفاوض لا يؤشر موقع قوة بقدر ما يكشف عن مأزق استراتيجي متراكم.
وقال الياسري، لـ"إرم نيوز"، إن "خيارات إيران باتت محدودة، كما أن خيارات الولايات المتحدة ليست مفتوحة على مصراعيها، لكن واشنطن ترى في هذه المرحلة فرصة نادرة للضغط، بعد أن تراجعت قدرة طهران على استخدام ما كانت تسميه أطواق النار في المنطقة".
وأضاف أن "الاستراتيجية الإيرانية القائمة على بناء خطوط نفوذ أمنية وعسكرية عبر فصائل محلية، تعرضت لتآكل واضح بعد تطورات السابع من أكتوبر، وما تلاها من ضربات أضعفت أدوات الردع غير المباشر، ودفعت إيران إلى الدفاع من الداخل لا من الأطراف".
وأوضح الياسري أن "إيران تراهن اليوم على عامل الزمن، في محاولة لامتصاص الضغوط الأمريكية، بانتظار تغير المعادلات الداخلية والخارجية التي تحيط بإدارة ترامب، سواء عبر الملفات الداخلية أو الخلافات الدولية".
ويشير مراقبون إلى أن واشنطن، رغم رفع سقف التهديد، لا تبدو معنية بإسقاط النظام الإيراني، بقدر ما تسعى إلى إضعافه وتفكيك قدراته النووية والصاروخية، مع تجنب سيناريو الفوضى الشاملة الذي قد ينعكس سلباً على حلفائها في المنطقة.
وتشير المعطيات إلى أن الولايات المتحدة لا تنظر إلى المحادثات المرتقبة مع إيران من زاوية الملف النووي فحسب؛ بل تسعى إلى توسيع إطارها ليشمل حزمة ملفات تعتبرها مترابطة.
فإلى جانب المطالب المتعلقة بتخصيب اليورانيوم، وتعزيز الرقابة الدولية، تضغط واشنطن لإدراج قيود على البرنامج الصاروخي الإيراني، وضبط الدور الإقليمي لطهران عبر الأذرع المسلحة في أكثر من ساحة.
من جهته، قدم رئيس مركز غالوب الدولي في الشرق الأوسط، منقذ داغر، قراءة مختلفة لطبيعة التصلب الإيراني، مشيراً إلى أن "ما يبدو تصلباً إيرانياً هو نتيجة عاملين رئيسيين: الأول داخلي يتعلق بصراع الأجنحة داخل النظام، بين تيار يسعى إلى اتفاق وتيار متشدد، خصوصاً داخل الحرس، يرفض تقديم تنازلات".
وأضاف، في حديث لـ"إرم نيوز"، أن "العامل الثاني يرتبط بطبيعة شخصية ترامب، إذ تدرك طهران أنه رجل صفقات، ولذلك تبدأ التفاوض بسقف مرتفع أملاً في الوصول إلى تسوية وسطية لاحقاً".
وأشار داغر إلى أن "هذه الطريقة ليست جديدة على الدبلوماسية الإيرانية، لكنها قد لا تكون فعالة هذه المرة، في ظل تغير البيئة الإقليمية وارتفاع كلفة المناورة".
وبينما تلتقي الضغوط العسكرية مع محاولات فتح نافذة دبلوماسية، يرى مختصون أن المشهد الحالي يؤكد معادلة "الاحتواء" وليس الاتفاق، حيث يسعى الطرفان إلى تجميد مؤقت للتصعيد مقابل مكاسب محدودة، دون القدرة على الذهاب إلى تسوية استراتيجية طويلة الأمد.
وتخلص تقديرات الخبراء إلى أن رفع سقف التفاوض بات خياراً اضطرارياً لإيران أكثر منه ورقة ضغط فاعلة، في وقت تتجه فيه واشنطن إلى اختبار حدود الصبر الإيراني، ضمن معادلة دقيقة تحكمها حسابات الردع والكلفة، بعيداً عن الرغبة في الحرب الشاملة.