logo
العالم

"دييغو غارسيا".. المحور الأمريكي البريطاني في مواجهة الصين وإيران

مقاتلات في قاعدة عسكرية في دييغو غارسياالمصدر: سلاح الجو الأمريكي

في قلب المحيط الهندي، تقبع جزيرة صغيرة لا تتجاوز مساحتها 44 كيلومتراً مربعاً، لكنها تمثل إحدى أهم القواعد العسكرية الأمريكية خارج الولايات المتحدة.

إنها دييغو غارسيا، الجزيرة ذات الشواطئ البيضاء والغطاء النباتي الكثيف، والتي تحولت منذ عقود إلى حصن عسكري محكم الإغلاق، يلعب دوراً محورياً في إسقاط القوة الأمريكية عبر ثلاث مناطق استراتيجية: آسيا، أفريقيا، والشرق الأوسط. 

وفي ظل التوترات المتصاعدة مع الصين وإيران، وبعد الاتفاق الهاتفي بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، يوم أمس الثلاثاء، تبرز هذه القاعدة كنقطة ارتكاز حاسمة في الصراع الجيوسياسي العالمي.

أخبار ذات علاقة

صورة حديثة لطائرات أمريكية متمركزة في قاعدة دييغو غارسيا

وسط تأهب إيراني.. تحركات أمريكية غامضة في قاعدة دييغو غارسيا

موقع استراتيجي لا يُعوّض

تقع دييغو غارسيا في قلب أرخبيل شاغوس، على مسافة متساوية تقريباً من مضيق باب المندب ومضيق ملقا، مما يمنح واشنطن القدرة على التدخل السريع في منطقة تضم 33 دولة وحوالي 2.9 مليار نسمة، وفق راديو فرنسا الدولي.

ويمر عبر المحيط الهندي نحو ثلثي النفط العالمي، وثلث حركة الشحن الدولية، مما يجعل السيطرة على هذه المنطقة أولوية قصوى للولايات المتحدة.

الخبير في السياسة الخارجية الأمريكية وقضايا الأمن في منطقة الهندي-الباسيفيك بكلية كينغز في لندن، والتر لادويغ الثالث، يؤكد أن "أهمية القاعدة تكمن في وقوعها عند ملتقى ثلاث مناطق استراتيجية للولايات المتحدة: آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط، وهي تعمل كمركز لوجستي مهم يتيح نشر القوات بسرعة".

وتستضيف القاعدة وحدات من البحرية والقوات الجوية الأمريكية، إضافة إلى قوة الفضاء الأمريكية والبحرية الملكية البريطانية. وتتميز بمدرج طويل يستوعب القاذفات الاستراتيجية من طرازات "B-1" و"B-2" و"B-52"، فضلاً عن ميناء عميق بعرض 10 كيلومترات وعمق 31 متراً يمكنه استقبال حاملات الطائرات والغواصات النووية.

دور عملياتي حاسم

منذ السبعينيات، لعبت دييغو غارسيا دوراً محورياً في العمليات العسكرية الأمريكية، فقد دعمت التدخلات في العراق وأفغانستان والقرن الأفريقي، واستُخدمت كمنصة لإطلاق الغارات الجوية بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول عام 2001. 

ويشير صامويل أويوولي، الذي درس الأهمية الاستراتيجية لأرخبيل شاغوس في المركز الأفريقي لدراسات الولايات المتحدة بجامعة بريتوريا، إلى أن "القاعدة استُخدمت خلال حرب العراق عام 2003، ولدعم العمليات في أفغانستان".

وفي عام 2024، نُشرت قاذفتان من طراز "B-52" ضمن مهمة ردع شملت منطقة الهندي-الباسيفيك، في سياق التوترات مع ميليشيا الحوثي وإيران والصين.

وفي مايو/أيار عام 2025، كشفت صور الأقمار الصناعية من شركة "بلانيت لاب" عن نشر ست قاذفات شبحية من طراز "B-2" في الجزيرة، حسبما أكدت شبكة "سي إن إن".

ويوضح ديفيد بلاغدن، المتخصص في قضايا الأمن الدولي بجامعة إكستر، أن "القاعدة الكبيرة والمجهزة بما يكفي لإيواء وحماية القاذفات الاستراتيجية، ستلعب دوراً حاسماً في أي صراع مسلح محتمل بين الولايات المتحدة وإيران".
التحديات الجيوسياسية

ويثير صعود الصين البحري، خاصة بعد افتتاح قاعدتها العسكرية في جيبوتي وبناء منشآت بحرية في باكستان وسريلانكا، قلق واشنطن.

ويلفت الباحث في الجيوسياسيا بجامعة رويال هولواي في لندن، كلاوس دودز، إلى أن "وجود أمريكا في دييغو غارسيا يتيح مراقبة الأنشطة الصينية وضمان حضور عسكري في المنطقة في حال نشوب مواجهة كبرى".

كما أن التقارب الاقتصادي بين بكين وموريشيوس -التي وقعت اتفاقاً تجارياً مع الصين عام 2021- يزيد المخاوف الأمريكية من احتمال منح بكين حقوق صيد قد تُستخدم لأغراض المراقبة.

من جهة أخرى، تشكل إيران، ببرنامجها الصاروخي الباليستي وطائراتها المسيّرة المتطورة، تهديداً مباشراً، فقد أعلن مسؤولون إيرانيون في 31 مارس/آذار عام 2025 إمكانية استهداف القاعدة التي تبعد نحو 3795 كيلومتراً عن الحدود الإيرانية، رداً على أي هجوم أمريكي محتمل.

أخبار ذات علاقة

مناهضون للبريكست في لندن

ترامب يدفع ستارمر إلى أحضان أوروبا.. اتفاق أمني تاريخي يُنهي سنوات التوتر

الاتفاق البريطاني-الموريشيوسي

وفي أكتوبر/تشرين الأول عام 2024، وافقت بريطانيا على إعادة السيادة على أرخبيل شاغوس إلى موريشيوس، مع الاحتفاظ بعقد إيجار لمدة 99 عاماً على دييغو غارسيا.

الاتفاق، الذي تقدر تكلفته بنحو 35 مليار جنيه إسترليني (40 مليار يورو) على مدى قرن، يتيح لواشنطن ولندن الحفاظ على وجودهما العسكري.

وفي يناير/كانون الثاني عام 2025، هاجم ترامب الاتفاق على منصة "تروث سوشيال" واصفاً إياه بـ"الغباء الكبير"، لكنه عاد ووافق عليه في أبريل/نيسان عام 2025. 

وأشادت صحيفة "وول ستريت جورنال" بموقف ترامب المتشدد، مؤكدة أن المعاهدة الموقعة عام 1966 تمنحه سلطة إلغاء الاتفاق.

والمكالمة الهاتفية بين ترامب وستارمر، أمس الثلاثاء، جاءت لتأكيد التزام الطرفين بـ"التعاون الوثيق" لضمان استمرار عمل القاعدة، حسبما أفاد مكتب رئيس الوزراء البريطاني وفق "راديو فرنسا الدولي". 

لكن تبقى دييغو غارسيا جوهرة في تاج القواعد العسكرية الأمريكية، ويؤكد تشيرايو ثاكار، من جامعة سنغافورة، أن "أهميتها الاستراتيجية لا تُضاهى في السياق الجيوسياسي الحالي".

وفي ظل التهديدات الإيرانية والتوسع الصيني، يبدو أن مستقبل هذه الجزيرة سيظل موضع اهتمام دولي مكثف.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC