في لحظة دبلوماسية حرجة قد تُعيد تشكيل مستقبل التحالف الأطلسي، تلعب بريطانيا دورًا حساسًا كوسيط غير معلن في أزمة غرينلاند، ساعيةً إلى تقديم مخرج دبلوماسي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب من دون أن تخسر مصداقيتها الأوروبية. وفي قلب هذا الدور، يبرز اعترافٌ حاسم من ترامب قد يُشكّل بداية نهاية الأزمة.
وفي تطور لافت، اعترف ترامب خلال مكالمة هاتفية مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بأنه قد يكون تلقّى "معلومات خاطئة" بشأن نشر القوات الأوروبية في غرينلاند، وفقًا لمسؤول بريطاني كبير.
ويمثّل هذا الاعتراف نقطة تحوّل محتملة في أزمة هدّدت بتمزيق النسيج الأطلسي. فقد كان ترامب قد أعلن أن الدول الأوروبية "سافرت إلى غرينلاند لأغراض مجهولة"، متهمًا إياها بـ"لعب لعبة خطيرة للغاية"، وهو ما دفعه إلى فرض تهديدات جمركية بنسبة 10% على ثماني دول أوروبية.
في مؤتمر صحفي طارئ يوم الاثنين 19 يناير، وصف ستارمر استخدام الرسوم الجمركية ضد الحلفاء بأنه "خاطئ تمامًا"، مؤكدًا أن "التحالفات تدوم لأنها مبنية على الاحترام والشراكة، وليس الضغط".
لكن في الوقت نفسه، تجنّب ستارمر بعناية فائقة التهديد بفرض تدابير انتقامية، داعيًا بدلًا من ذلك إلى "مناقشات هادئة بين الحلفاء" لإيجاد حل "براغماتي". ويعكس هذا النهج المزدوج استراتيجية بريطانية دقيقة: الحفاظ على المبادئ مع تجنّب التصعيد.
وبعد المحادثات مع ترامب خلال عطلة نهاية الأسبوع، قال بعض المسؤولين إن الرئيس بدا متقبّلًا للتوضيحات المتعلقة بسبب إرسال بعض الدول الأوروبية قوات إلى غرينلاند.
وأعقب ذلك تحرّك مكثف لتوضيح ما تعنيه التحركات العسكرية. فقد حاول ثلاثة قادة أوروبيين يحتفظون بأوثق العلاقات معه — ستارمر، والأمين العام لحلف الناتو مارك روته، ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني — تقديم الشرح عبر الهاتف، يوم الأحد.
واعتبر العديد من دبلوماسيي الناتو أن قرار إرسال قوات من الدنمارك ودول أخرى في الحلف لإجراء تدريبات عسكرية مشتركة خلال عطلة نهاية الأسبوع، قد جاء بنتائج عكسية، وأسهم في إثارة تهديد ترامب الجمركي.
وبدلًا من تعزيز وجود الناتو في غرينلاند، أظهر هذا التحرك لترامب أن الأنشطة التي تقودها الدنمارك قادرة على تحسين الأمن في القطب الشمالي، وهو ما فُهم في واشنطن على أنه محاولة لإبعاد الولايات المتحدة عن دورها المركزي.
وقال ستارمر إنه تحدث إلى ترامب يوم الأحد، وأبلغه بأن هذه القوات "موجودة بوضوح لتقييم والعمل على المخاطر القادمة من الروس"، مضيفًا أنه يأمل أن يكون هناك الآن "وضوح حقيقي" بشأن ذلك، مشيرًا إلى أن بريطانيا أرسلت ضابطًا عسكريًا واحدًا فقط في مهمة مراقبة.
وقد يختلف نهج ستارمر تجاه تهديد ترامب — وعدم اهتمامه بالرسوم الجمركية الانتقامية — بشكل ملحوظ عن قادة الاتحاد الأوروبي، الذين من المقرر أن يناقشوا سبل المضي قدمًا خلال قمة طارئة في بروكسل.
وتهدف بريطانيا أيضًا إلى إقناع ترامب بأن أوروبا يمكن أن تساعد في المصالح المشتركة المتعلقة بغرينلاند، بدلًا من السماح لها بأن تصبح عامل انقسام داخل الناتو.
ووصف أحد الدبلوماسيين هذا المسار بأنه جهد لتهدئة الوضع، مع آمال في أن تسود وجهة نظر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الأكثر هدوءًا. وهي الاستراتيجية نفسها التي تتبعها المملكة المتحدة في مفاوضات أوكرانيا، ومع مساعدة الولايات المتحدة في الاستيلاء على ناقلة في شمال الأطلسي: إظهار الفائدة الدبلوماسية والعسكرية والأمنية الأوروبية للولايات المتحدة.
من المعروف أيضًا أن ستارمر يتمتع بعلاقة دافئة وودية مع ترامب، على الرغم من اختلافاتهما السياسية. وكانت المملكة المتحدة أول دولة تبرم اتفاقية تجارية مع واشنطن العام الماضي، ويُعزى ذلك إلى حد كبير إلى الدفء الواضح الذي أبداه ترامب تجاه البلاد.
وأضاف ستارمر قائلا: "أتحدث بانتظام مع الرئيس ترامب. فريقي على اتصال يومي مع جميع الشخصيات الرئيسية في إدارته. هذه العلاقات مهمة، فهي تحقق نتائج ملموسة لصالح المصلحة الوطنية".
وأظهر ستارمر قدرته على التعامل مع شخصية ترامب غير المتوقعة. كما يمكن تفسير غموضه بشأن فنزويلا قبل اجتماع باريس، الذي أُقرّت فيه ضمانات أمنية لأوكرانيا، في هذا السياق.
قال مسؤول أوروبي إن الأمين العام لحلف الناتو مارك روته، وهو من المقرّبين من ترامب، يبدو مقتنعًا بإمكانية التوصل إلى صفقة تمنح الرئيس مخرجًا سياسيًا، وكان يطرح إمكانية إعادة التفاوض على اتفاقية عام 1951 بين الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند، مع إدراج ضمانات قوية تحظر الاستثمارات الصينية في غرينلاند.
وقد استقبلت لندن وزير الخارجية الدنماركي لارس راسموسن لإجراء مناقشات وُصفت بالمهمة، كما كان وزير الدولة لشؤون أوروبا على اتصال بوزير خارجية غرينلاند. وأعلن وزير الخارجية البريطاني أنه كان على اتصال مباشر مع الولايات المتحدة وكندا وفرنسا وألمانيا وزملاء أوروبيين آخرين.
وكشفت تصريحات ستارمر عن المأزق الدبلوماسي الذي تواجهه بريطانيا، بوصفها الدولة الأوروبية الأكثر ارتباطًا بالولايات المتحدة، في عهد ترامب الثاني.
غير أن هذا الموقف الدقيق قد يكون بالضبط ما يحتاجه التحالف الأطلسي. فمن خلال لعب دور الوسيط الهادئ، ومساعدة ترامب على إدراك أن ما اعتبره تحديًا أوروبيًا كان في الواقع جهدًا أمنيًا مشتركًا، قدّمت بريطانيا للرئيس الأمريكي أمرًا نادرًا في السياسة الدولية: طريقة للتراجع من دون فقدان ماء الوجه.
وبحسب محللين، فإن اعتراف ترامب بتلقيه "معلومات خاطئة" يمثّل بداية واعدة لحل محتمل — وهو اعتراف لم يكن ليحدث لولا الجهود الدبلوماسية الدقيقة التي بذلتها لندن خلف الكواليس.