logo
العالم

منجم "سيماندو" يقلب الموازين.. الصين تتحدى النظام الدولي بشأن تايوان

منجم سيماندوالمصدر: رويترز

تساءلت صحيفة بريطانية، عمّا إذا كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها يستطيعون إيقاف الصين إذا قررت التحرك عسكرياً ضد تايوان، وهو تساؤل يُشكل محور التخطيط الأمني في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

وبيّنت صحيفة "التلغراف" البريطانية، أن الرهان في ذلك لا يقتصر على مستقبل تايوان وحدها، بل يمتد إلى مكانة واشنطن في شرق آسيا، واستمرار النظام الدولي القائم على القواعد.

وبعيدًا عن "مضيق تايوان"، اكتسب ذلك التساؤل زخمًا، بعد أن وصلت في شهر كانون الأول/ديسمبر الماضي، ناقلة بضائع تُدعى (Winning Youth) إلى الصين محمّلة بـ200 ألف طن من خام الحديد قادمة من غينيا في غرب أفريقيا، بحسب الصحيفة.

وأشارت إلى أن تلك الشاحنة كانت الأولى من رواسب "سيماندو" الهائلة، وهي منطقة جبلية في غرب أفريقيا تضم أحد أكبر احتياطيات خام الحديد غير المستغلة في العالم.

وبيّنت الصحيفة أنه، في الوقت الراهن، تعتمد الصين اعتماداً كبيراً على أستراليا والبرازيل في استيراد خام الحديد، وهو مادة أساسية لصناعة الصلب والإنتاج الصناعي، وتمثل أستراليا وحدها نحو ثلثي واردات الصين.

أخبار ذات علاقة

المدمرة الأمريكية يو إس إس جون فين (DDG-113)

لماذا تراجعت وتيرة عبور السفن الأمريكية مضيق تايوان؟

واعتُبر ذلك الاعتماد لفترة طويلة نقطة ضعف إستراتيجية لبكين، وفقًا للصحيفة، التي أوضحت أنه في حال اندلاع حرب حول تايوان، من شبه المؤكد أن تتوقف الإمدادات الأسترالية، ما سيُلحق ضرراً بالغاً بالاقتصاد الصيني.

إلا أن مشروع "سيماندو" يغيّر تلك المعادلة، فالمناجم، وخط السكك الحديدية، والبنية التحتية للموانئ، تشكّل مشروعاً مشتركاً ضخماً تتمتع فيه الشركات الصينية بأكبر نفوذ إستراتيجي.

وذكرت الصحيفة أنه رغم أن المشروع لم يصل بعد إلى طاقته الكاملة، يُتوقع أن يتسارع الإنتاج سريعاً ليصل إلى أكثر من 100 مليون طن سنوياً، على أن يذهب معظم هذا الإنتاج إلى الصين.

ومع دخول طرق إمداد جديدة إلى الخدمة، ستتراجع قابلية الصين للتأثر بالضغط الأسترالي، ويُظهر هذا التحول كيف يمكن للتغيرات في التجارة العالمية والبنية التحتية أن تُعيد رسم ميزان القوى بهدوء، حتى قبل أن تُطلق رصاصة واحدة.

مضيق تحت الضغط

وتأتي تلك التطورات في ظل تصاعد الضغوط العسكرية حول تايوان، فمنذ العام 2022، أصبحت الأنشطة الجوية والبحرية الصينية في المضيق مثل: المناورات الواسعة النطاق، واختبارات الصواريخ، والاقترابات المتكررة من المجال الجوي التايواني، كثيفة إلى درجة أن محللين باتوا يتحدثون عن "أزمة مضيق تايوان الرابعة".

وبدت الدبلوماسية الغربية متناقضة، إذ يزور رئيس الوزراء البريطاني السير كير ستارمر بكين، هذا الأسبوع، برفقة وفد من قادة الأعمال، في إشارة إلى رغبة في استقرار العلاقات الاقتصادية.

وفي الوقت نفسه، عززت المملكة المتحدة التزامها العسكري في منطقة المحيطين الهندي والهادئ عبر شراكة "أوكوس" مع الولايات المتحدة وأستراليا.

وتجلّى ذلك الالتزام بوضوح مع نشر الغواصة النووية الهجومية البريطانية (HMS Anson)  في أستراليا، حيث ستعمل ضمن وجود حليف دوري. ويهدف اتفاق "أوكوس" صراحةً إلى مواجهة تنامي القوة العسكرية الصينية في المنطقة.

توسّع النفوذ العسكري الصيني

ومنذ آخر أزمة كبرى في مضيق تايوان، في منتصف تسعينيات القرن الماضي، توسعت القدرات العسكرية الصينية بشكل هائل، فأصبح سلاح البحرية لجيش التحرير الشعبي الأكبر في العالم من حيث عدد السفن، بينما يمتلك سلاح الجو مئات الطائرات القتالية الحديثة.

والأمر الأكثر أهمية، وفقًا للصحيفة، هو "قوة الصواريخ" الصينية، التي تدير آلاف الصواريخ الباليستية والمجنحة وفرط الصوتية التقليدية القادرة على ضرب أهداف في مختلف أنحاء غرب المحيط الهادئ، بما في ذلك قواعد أمريكية في اليابان وغوام.

ورغم أن الإنفاق الدفاعي الأمريكي لا يزال أعلى بكثير من حيث القيمة الاسمية، فإن فروق الكلفة تلعب دوراً حاسماً، فبناء الأسلحة والسفن في الصين أرخص بكثير، كما أن قطاع بناء السفن الصيني الضخم قادر على تعويض الخسائر بسرعة تفوق نظيره الأمريكي.

أخبار ذات علاقة

مجلس النواب الأمريكي

الكونغرس الأمريكي يخصص 1.15 مليار دولار لتعزيز قدرات تايوان الدفاعية

وعلى أساس تعادل القوة الشرائية، تقترب القدرة الاقتصادية للصين من قدرة الولايات المتحدة، بل تتجاوزها وفق بعض المقاييس.

كما أن الجغرافيا تميل لصالح بكين، فأي صراع حول تايوان سيجري بالقرب من السواحل الصينية، في حين ستعمل القوات الأمريكية والحليفة على مسافات بعيدة عن قواعدها الرئيسة. ويمكن للسفن والطائرات الصينية إعادة التسلح والعودة إلى القتال بسرعة، بينما تواجه الغواصات والسفن الأمريكية خطوط إمداد طويلة ومعرّضة للخطر.

مناورات وتحذيرات

وتساعد هذه الحقائق على فهم صدى تقييم مسرّب من البنتاغون الشهر الماضي، عُرف باسم "ملخص التفوق"، خلص إلى أن القوات الأمريكية ستتكبد - على الأرجح - هزيمة حاسمة إذا حاولت منع الصين من السيطرة على تايوان.

وعلى الرغم من أن تقرير الصحيفة استند إلى معلومات استخباراتية سرية وسنوات من ألعاب الحرب والمحاكاة، إلا أن هذه التقييمات مثار جدل، إذ يشير منتقدون إلى أن المؤسسات الدفاعية لديها حوافز لتضخيم المخاطر من أجل تأمين تمويل أكبر، وتقدّم ألعاب حرب علنية، مثل تلك التي أجراها "مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية" في واشنطن، صورة أكثر تعقيداً.

وتشير محاكاة المركز إلى أنه إذا تدخلت الولايات المتحدة بحزم وبشكل مبكر، فقد تتمكن من صدّ الصين، لكن بثمن باهظ للغاية. فقد تُدمَّر قوات الغزو الصينية أو تُحاصر، وتبقى تايوان خارج السيطرة الصينية.

إلا أن الخسائر الأمريكية والحليفة ستكون غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية: عشرات السفن الغارقة، ومئات الطائرات المدمرة، كثير منها على الأرض بفعل ضربات صاروخية، وآلاف القتلى.

وفي مثل هذه السيناريوهات، لا يخرج أي طرف سالماً. فالصين والولايات المتحدة ستتضرران بشدة كقوتين عسكريتين عالميتين، بينما ستُترك تايوان مدمَّرة اقتصادياً وبشرياً. ونظراً للدور المحوري الذي تلعبه تايوان في صناعة أشباه الموصلات العالمية، فإن الصدمة الاقتصادية ستطال العالم بأسره.

الردع عبر الاستعداد

ولايُعد وصول (Winning Youth) إلى الصين نقطة تحول حاسمة فقط، لكنه يذكّر بأن القوة لا تتشكل بالصواريخ والسفن الحربية وحدها، بل أيضاً باللوجستيات، وسلاسل الإمداد، والقدرة الصناعية. ومع تقليص الصين لنقاط ضعفها، وتوسيع نفوذها العسكري، يضيق هامش الخطأ في مضيق تايوان.

وذكرت الصحيفة أنه بالنسبة للحكومات الغربية، فالدرس مألوف، يتمثل بأن الردع يقوم على المصداقية، وتقليل احتمال الحرب سيتطلب استثماراً مستداماً، وإشارات سياسية واضحة، والقدرة على إقناع بكين بأن أي محاولة للسيطرة على تايوان ستنطوي على خطر فشل غير مقبول.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC